العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٩٣ - للرقاشي
لكلّ أناس مقبر بفنائهم # فهم ينقصون و القبور تزيد [١]
فما إن تزال دار حيّ قد اخربت # و قبر بأفناء البيوت جديد
هم جيرة الأحياء أمّا مزارهم # فدان و أمّا الملتقى فبعيد
للرقاشي:
و قال مررت بيزيد الرقاشي و هو جالس بين المدينة و المقبرة، فقلت له: ما أجلسك هاهنا؟قال: أنظر إلى هذين العسكرين، فعسكر يقذف الأحياء، و عسكر يلتقم الموتى!ثم نادى بأعلى صوته: يا أهل القبور الموحشة التي قد نطق بالخراب فناؤها، و مهّد بالتراب بناؤها، فمحلها مقترب، و ساكنها مغترب؛ لا يتواصلون تواصل الإخوان، و لا يتزاورون تزاور الجيران؛ قد طحنهم بكلكله [٢] البلى، و أكلهم الجنادل و الثرى.
و كان علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه إذا دخل المقبرة قال: أما المنازل فقد سكنت، و أما الأموال فقد قسمت، و أما الأزواج فقد نكحت؛ فهذا خبر ما عندنا، فليت شعري ما عندكم؟ثم قال: و الذي نفسي بيده، لو أذن لهم في الكلام لقالوا: إن خير الزاد التقوى.
و كان علي بن أبي طالب إذا دخل المقبرة قال: السلام عليكم يأهل الديار الموحشة، و المحال المقفرة، من المؤمنين و المؤمنات؛ اللهم اغفر لنا و لهم، و تجاوز بعفوك عنا و عنهم. ثم يقول: الحمد للّه الذي جعل لنا الأرض كفاتا [٣] أحياء و أمواتا، و الحمد للّه الذي منها خلقنا، و إليها معادنا، و عليها محشرنا؛ طوبى لمن ذكر المعاد، و عمل الحسنات، و قنع بالكفاف، و رضي عن اللّه عز و جل.
و كان النبي صلّى اللّه عليه و سلم إذا دخل المقبرة قال: «السلام عليك دار قوم مؤمنين، و إنا إن
[١] مقبر: موضع القبور.
[٢] كلكله: الكلكل: الصدر من كل شيء، و قيل هو ما بين الترقوتين.
[٣] كفاتا: يقال تكفتنا الأرض أي تحفظنا احياء على ظهرها و تحرزنا أموانا في بطنها.