العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٣٥ - لأبي نواس يرثي جارية
لأبي نواس يرثي جارية:
وجدوا على قبر جارية إلى جنب قبر أبي نواس أبياتا، ذكروا أن أبا نواس قالها، و هي:
أقول لقبر زرته متلثّما # سقى اللّه برد العفو صاحبة القبر
لقد غيّبوا تحت الثرى قمر الدجى # و شمس الضّحى بين الصّفائح و القفر
عجبت لعين بعدها ملّت البكا # و قلب عليها يرتجي راحة الصبر
و قال حبيب الطائي يرثي جارية أصيب بها:
جفوف البلى أسرعت في الغصن الرطب # و خطب الرّدى و الموت أبرحت من خطب
لقد شرقت في الشرق بالموت غادة # تبدّلت منها غربة الدار في القرب
و ألبسني ثوبا من الحزن و الأسى # هلال عليه نسج ثوب من التّرب
و كنت أرجّي القرب و هي بعيدة # فقد نقلت بعدي عن البعد و القرب
أقول و قد قالوا استراحت لموتها # من الكرب روح الموت شرّ من الكرب
لها منزل تحت الثّرى و عهدتها # لها منزل بين الجوانح و القلب [١]
و قال يرثيها:
أ لم ترني خلّيت نفسي و شانها # و لم أحفل الدنيا و لا حدثانها
لقد خوّفتني النائبات صروفها # و لو أمّنتني ما قبلت أمانها
و كيف على نار الليالي معرّس # إذا كان شيب العارضين دخانها
أصبت بخود سوف أغبر بعدها # حليف أسى أبكي زمانا زمانها [٢]
عنان من اللّذات قد كان في يدي # فلما قضى الالف استردّت عنانها
منحت المها هجري فلا محسناتها # أريد و لا يهوى فؤادي حسانها
يقولون هل يبكي الفتى لخريدة # إذا ما أراد اعتاض عشرا مكانها [٣]
[١] الجوانح: مفردها الجانحة، و هي الضلع القصيرة مما يلي الصدر.
[٢] الخود: الشابة الناعمة الحسنة الخلق.
[٣] الخريدة: اللؤلؤة لم تثقب.