العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٥١ - مالك بن دينار و سجين
و قال زياد لأصحابه: من أغبط الناس عيشا؟قالوا: الأمير و أصحابه. قال: كلا؛ إنّ لأعواد المنبر لهيبة، و لقرع لجام البريد لفزعة. و لكن أغبط الناس عيشا رجل له دار يسكنها، و زوجة صالحة يأوي إليها، في كفاف من عيش، لا يعرفنا و لا نعرفه؛ فإن عرفنا و عرفناه أفسدنا عليه آخرته و دنياه.
و قال الشاعر:
إنّ الملوك بلاء حيثما حلّوا # فلا يكن لك في أكنافهم ظل
ما ذا تريد بقوم إن هم غضبوا # جاروا عليك و إن أرضيتهم ملّوا
فاستغن باللّه عن إتيانهم أبدا # إنّ الوقوف على أبوابهم ذلّ
و قال آخر:
لا تصحبنّ ذوي السّلطان في عمل # تصبح على وجل تمسي على وجل [١]
كل التّراب و لا تعمل لهم عملا # فالشّرّ أجمعه في ذلك العمل
و في كتاب كليلة و دمنة: صاحب السلطان مثل راكب الأسد: لا يدري متى يهيج به فيقتله.
مالك بن دينار و سجين:
و دخل مالك بن دينار على رجل في السجن يزوره، فنظر إلى رجل جنديّ قد اتكأ في رجليه كبول [٢] قد قرنت بين ساقيه، و قد أتي بسفرة كثيرة الألوان؛ فدعا مالك بن دينار إلى طعامه؛ فقال له: أخشى إن أكلت من طعامك هذا أن يطرح في رجلي مثل كبولك هذه.
و في كتاب الهند: السلطان مثل النار: إن تباعدت عنها احتجت إليها، و إن دنوت منها أحرقتك.
[١] الوجل: الخوف و الفزع.
[٢] الكبول: القيود.