العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٣١ - لابن عبد ربه
وجهي و تبسم؛ و قال: يا عبد اللّه، إنما هي فورة، هذه النار قد أطفأتها-و ضرب بيده على بطنه-فرجعت و قد انكسف بالي لما رأيت في هيبته؛ فقال إلى رجل كان إلى جانبي: أتعرفه؟قلت: ما أعرفه. قال: هذا رجل من بني هاشم، من ولد العباس ابن عبد المطلب؛ كان يسكن البصرة؛ فتاب و خرج منها، ففقد و ما يعرف له أثر.
فأعجبني قوله؛ ثم لحقت به و ناشدته اللّه؛ و قلت له: هل لك أن تعادلني فإن معي فضلا من راحلتي و أنا رجل من بعض أخوالك؟فجزاني خيرا، و قال: لو أردت شيئا من هذا لكان لي معدّا. ثم أنس إليّ و جعل يحدثني؛ و قال: أنا رجل من ولد العباس، كنت أسكن البصرة، و كنت ذا كبر شديد و جبروت و بذخ؛ و إني أمرت خادما لي أن تحشو لي فراشا من حرير بورد نثير، و مخدّة؛ ففعلت؛ فإني لنائم إذ أيقظني قمع [١] وردة أغفلته الخادم؛ فقمت إليها فأوجعتها ضربا، ثم عدت إلى مضجعي بعد أن خرج ذلك القمع من المخدّة؛ فأتاني آت من منامي في صورة فظيعة، فنهرني و زبرني [٢] ، و قال: أفق من غشيتك و أبصر من حيرتك. ثم أنشأ يقول:
يا خدّ إنك إن توسّد ليّنا # وسّدت بعد الموت صمّ الجندل [٣]
فامهد لنفسك صالحا تنجو به # فلتندمنّ غدا إذا لم تفعل
فانتبهت فزعا، و خرجت من ساعتي هاربا بديني إلى ربي.
في التوبة:
و قالوا: علامة التوبة الخروج من الجهل، و الندم على الذنب، و التجافي عن الشهوة، و ترك الكذب، و الانتهاء عن الخلق السوء.
و قالوا: التائب من الذنب كمن لا ذنب له. و أول التوبة الندم.
لابن عبد ربه:
و من قولنا في هذا المعنى:
يا ويلتا من موقف ما به # أخوف من أن يعدل الحاكم
[١] قمع: الأصل الذي يبقى على الغصن بعد ذهاب الأوراق فيحمر.
[٢] زبرني: نهرني.
[٣] الجندل: الحجر.