العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٢٦ - عمر بن عبد العزيز في مرضه
أقدامهم في صلاتهم؛ تجري دموعهم على خدودهم، يجارون [١] إلى ربهم: ربّنا ربّنا! يطلبون فكاك قلوبهم؛ و أما بالنهار فعلماء حلماء بررة أتقياء؛ كأنهم القداح. القداح:
السهام، يريد في ضمرتها-ينظر إليهم الناظر فيقول مرضى، و ما بالقوم من مرض؛ و يقول: خولطوا؛ و لقد خالط القوم أمر عظيم.
لابن عمار في الزهد:
و قال منصور بن عمار في مجلس الزهد: إن للّه عبادا جعلوا ما كتب عليهم من الموت مثالا بين أعينهم، و قطعوا الأسباب المتصلة بقلوبهم من علائق الدنيا؛ فهم أنضاء عبادته، حلفاء طاعته، قد نضحوا [٢] خدودهم بوابل دموعهم [٣] ، و افترشوا جباههم في محاريبهم، يناجون ذا الكبرياء و العظمة في فكاك رقابهم [٤] .
عمر بن عبد العزيز في مرضه:
و دخل قوم على عمر بن عبد العزيز يعودونه في مرضه و فيهم شاب ذابل ناحل؛ فقال له عمر: يا فتى، ما بلغ بك ما أرى؟قال: يا أمير المؤمنين، أمراض و أسقام! قال له عمر: لتصدقنّي. قال: بلى يا أمير المؤمنين، ذقت يوما حلاوة الدنيا فوجدتها مرة عواقبها؛ فاستوى عندي حجرها و ذهبها؛ و كأني أنظر إلى عرش ربنا بارزا؛ و إلى الناس يساقون إلى الجنة و النار؛ فأظمأت نهاري و أسهرت ليلي؛ و قليل كلّ ما أنا فيه في جنب ثواب اللّه و خوف عقابه.
و قال ابن أبي الحواري: قلت لسفيان: بلغني في قول اللّه تبارك و تعالى: إِلاََّ مَنْ أَتَى اَللََّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [٥] : الذي يلقي ربه و ليس فيه أحد غيره. فبكى و قال: ما سمعت منذ ثلاثين سنة أحسن من هذا التفسير.
[١] يجأرون: يغصون في صدورهم.
[٢] نضحوا: رشوا.
[٣] الوابل: المطر.
[٤] فكاك رقابهم: عتقها من النار.
[٥] سورة الشعراء الآية ٨٩.