العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٩٢ - لابن شبرمة
القيامة يوم ذو حسرات، و إن من أعظم الحسرات غدا أن ترى مالك في ميزان غيرك. فيا لها عثرة لا تقال. و توبة لا تنال.
لحكيم يعظ قوما:
و وعظ حكيم قوما فقال: يا قوم، استبدلوا العوارى [١] بالهبات تحمدوا العقبى، و استقبلوا المصائب بالصبر تستحقوا النّعمى، و استديموا الكرامة بالشكر تستوجبوا الزيادة. و اعرفوا فضل البقاء في النعمة و الغنى في السلامة قبل الفتنة الفاحشة، و المثلة [٢] البينة، و انتقال العمل، و حلول الأجل؛ فإنما أنتم في الدنيا أغراض المنايا، و أوطان البلايا، و لن تنالوا نعمة إلا بفراق أخرى، و لا يستقبل منكم معمّر يوما من عمره إلا بانتقاص آخر من أجله، و لا يحيا له أثر إلا مات له أثر، فأنتم أعوان الحتوف على أنفسكم، و في معاشكم أسباب مناياكم، لا يمنعكم شيء منها، و لا يشغلكم شيء عنها، فأنتم الأخلاف بعد الأسلاف، و ستكونون أسلافا بعد الأخلاف، بكل سبيل منكر صريع منعفر، و قائم ينتظر، فمن أي وجه تطلبون البقاء، و هذان الليل و النهار لم يرفعا شيئا قط إلا أسرعا الكرة في هدمه، و لا عقدا أمرا إلا رجعا في نقضه.
لأبي الدرداء:
و قال أبو الدّرداء: يا أهل دمشق، مالكم تبنون ما لا تسكنون، و تأملون ما لا تدركون، و تجمعون ما لا تأكلون؟هذه عاد و ثمود قد ملئوا ما بين بصرى و عدن أموالا و أولادا، فمن يشتري مني ما تركوا بدرهمين.
لابن شبرمة:
و قال ابن شبرمة: إذا كان البدن سقيما لم ينجع في الطعام و لا الشراب، و إذا كان
[١] العوارى: مفردها العارة، و هي ما تعطي غيرك على أن يعيده إليك.
[٢] المثلة: أي العقاب و العذاب.