العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣٥٢ - قول الشعوبية و هم أهل التسوية
و احتججنا بقول النبي عليه الصلاة و السلام: المؤمنون إخوة، تتكافأ دماؤهم و يسعى بذمتهم أدناهم و هم يد على من سواهم. و قوله في حجة الوداع، و هي خطبته التي ودع فيها أمّته و ختم نبوّته: «أيها الناس، إنّ اللّه أذهب عنكم نخوة الجاهلية و فخرها بالآباء. كلّكم لآدم و آدم من تراب، ليس لعربي على عجميّ فضل إلا بالتقوى» .
و هذا القول من النبي عليه الصلاة و السلام موافق لقول اللّه تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللََّهِ أَتْقََاكُمْ [١] فأبيتم إلا فخرا و قلتم لا تساوينا العجم و إن تقدّمتنا إلى الإسلام، ثم صلت حتى تصير كالحنى، و صامت حتى تصير كأوتار، و نحن نسامحكم و نجيبكم إلى الفخر بالآباء الذي نهاكم عنه نبيكم صلّى اللّه عليه و سلم، إذ أبيتم إلا خلافه، و إنما نجيبكم إلى ذلك لاتباع حديثه و ما أمر به صلّى اللّه عليه و سلم، فنرد عليكم حجتكم في المفاخرة، و نقول: أخبرونا إن قالت لكم العجم هل تعدون الفخر كله أن يكون ملكا أو نبوّة؟فإن زعمتم أنه ملك قالت لكم: و إن لنا ملوك الأرض كلها من الفراعنة و النماردة و العمالقة و الأكاسرة و القياصرة، و هل ينبغي لأحد أن يكون له مثل ملك سليمان الذي سخّرت له الإنس و الجن و الطير و الريح، و إنما هو رجل منا؟أم هل كان لأحد مثل ملك الإسكندر الذي ملك الأرض كلها و بلغ مطلع الشمس و مغربها و بنى ردما من حديد ساوى به بين الصّدفين، [٢] و سجن وراءه خلقا من الناس تربى على خلق الأرض كلها كثرة؛ يقول اللّه عز و جل: حَتََّى إِذََا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَ مَأْجُوجُ وَ هُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ [٣] فليس شيء أدل على كثرة عددهم من هذا، و ليس لأحد من ولد آدم مثل آثاره في الأرض؛ و لو لم يكن له إلا منارة الإسكندرية الذي أسسها في قعر البحر و جعل في رأسها مرآة يظهر البحر كله في زجاجتها. و كيف و منا ملوك الهند الذين كتب أحدهم إلى عمر بن عبد العزيز: من ملك الأملاك الذي هو ابن ألف
[١] سورة الحجرات الآية ١٣.
[٢] الصّدف: كل شيء مرتفع عظيم، و صدفا الجبل: جانباه المتحاذيان.
[٣] سورة الأنبياء الآية ٩٦.