العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣٥٣ - قول الشعوبية و هم أهل التسوية
ملك، و الذي تحته بنت ألف ملك، و الذي في مربطه ألف فيل، و الذي له نهران ينبتان العود و الفوه [١] و الجوز و الكافور، الذي يوجد ريحه على اثني عشر ميلا-إلى ملك العرب الذي لا يشرك باللّه شيئا. أما بعد، فإني أردت أن تبعث إليّ رجلا يعلمني الإسلام و يوقفني على حدوده و السّلام.
و إن زعمتم أنه لا يكون الفخر إلا بنبوّة فإن منا الأنبياء و المرسلين قاطبة من لدن آدم ما خلا أربعة: هودا و صالحا و إسماعيل و حمدا؛ و منا المصطفون من العالمين: آدم و نوح، و هما العنصران اللذان تفرع منهما البشر: فنحن الأصل و أنتم الفرع، و إنما أنتم غصن من أغصاننا، فقولوا بعد هذا ما شئتم و ادّعوا. و لم تزل الأمم كلها من الأعاجم في كل شق من الأرض[لها]ملوك تجمعها، و مدائن تضمها، و أحكام تدين بها، و فلسفة تنتجها، و بدائع تفتقها في الأدوات و الصناعات: مثل صنعة الديباج، و هي أبدع صنعة؛ و لعب الشطرنج، و هي أشرف لعبة، و رمانة القبان التي يوزن بها رطل واحد و مائة رطل؛ و مثل فلسفة الروم في ذات الخلق و القانون، و الأسطرلاب الذي يعدل به النجوم و يدرك به علم الأبعاد و دوران الأفلاك، و علم الكسوف[و غير ذلك من الآثار المتقنة]و لم يكن للعرب ملك يجمع سوادها، و يضم قواصيها، و يقمع ظالمها، و ينهى سفيهها؛ و لا كان لها قط نتيجة في صناعة، و لا أثر في فلسفة، إلا ما كان من الشعر و قد شاركتها فيه العجم، و ذلك أن للروم أشعارا عجيبة قائمة الوزن و العروض؛ فما الذي تفخر به العرب على العجم؟فإنما هي كالذئاب العادية، و الوحوش النافرة، يأكل بعضها بعضا، و يغير بعضها على بعض، فرجالها موثقون في حلق الأسر، و نساؤها سبايا مردفات على حقائب الإبل، فإذا أدركهن الصريخ استنقذن بالعشي و قد وطئن كما توطأ الطريق المهيع، فخر بذلك شاعر فقال:
و الحق ركب المردفات عشيّة
فقيل له: ويحك!و أي فخر لك أن تلحق بالعشي و قد نكحن و امتهنّ؟
[١] الفوه: هي ما يعالج به الطيب.