العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٠٣ - مقام رجل من العبّاد عند المنصور
مقامات العباد عند الخلفاء
مقام صالح بن عبد الجليل
قام صالح بن عبد الجليل بين يدي المهدي فقال له: إنه لما سهل علينا ما توعّر على غيرنا من الوصول إليك، قمنا مقام الأداء عنهم و عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، بإظهار ما في أعناقنا من فريضة الأمر و النهي[عند]انقطاع عذر الكتمان، و لا سيما حين اتسمت بميسم التواضع، و وعدت اللّه و حملة كتابه إيثار الحقّ على ما سواه، فجمعنا و إياك مشهد من مشاهد التمحيص [١] . و قد جاء في الأثر: من حجب اللّه عنه العلم عذّبه على الجهل؛ و أشد منه عذابا من أقبل إليه العلم فأدبر عنه. فاقبل يا أمير المؤمنين ما أهدى إليك من ألسنتنا قبول تحقيق و عمل، لا قبول سمعة و رياء؛ فإنما هو تنبيه من غفلة، و تذكير من سهو و قد وطّن اللّه عز و جل نبيه على نزولهما، فقال تعالى: وَ إِمََّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ اَلشَّيْطََانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللََّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [٢] .
مقام رجل من العبّاد عند المنصور
بينما المنصور في الطواف ليلا إذ سمع قائلا يقول اللهم إني أشكو إليك ظهور البغي و الفساد في الأرض، و ما يحول بين الحق و أهله من الطمع، فخرج المنصور، فجلس ناحية من المسجد، و أرسل إلى الرجل يدعوه فصلى الرجل ركعتين، و استلم الركن، و أقبل مع الرسول فسلم عليه بالخلافة.
فقال المنصور: ما الذي سمعتك تذكر من ظهور الفساد و البغي في الأرض، و ما الذي يحول بين الحق و أهله من الطمع؟فو اللّه لقد حشوت مسامعي ما أرمضني [٣] .
فقال: إن أمّنتني يا أمير المؤمنين أعلمتك بالأمور من أصولها، و إلا احتجرت منك و اقتصرت على نفسي فلي فيها شاغل.
[١] التمحيص: التطهير أو الاختيار.
[٢] سورة فصلت الآية ٣٦.
[٣] أرمضني: أوجعني و آلمني.