البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٢٢٤ - مقطعات شعرية
و قال أعرابي، و نحر ناقة في حطمة [١] أصابتهم:
أكلنا الشوى حتى إذا لم نجد شوى # أشرنا إلى خيراتها بالأصابع
و للسيف أحرى أن تباشر حده # من الجوع لا تثنى عليه المضاجع
لعمرك ما سليت نفسا شحيحة # عن المال في الدنيا بمثل المجاوع
و قدم ناقة له أخرى إلى شجرة ليكون المحتطب قريبا من المنحر، فقال:
أدنيتها من رأس عشاء عشّة # مفصّلة الأفنان صهب فروعها
و قلت لها لما شددت عقالها # و بالكفّ ممهاة شديد وقوعها
لقد غنيت نفسي عليك شحيحة # و لكن يسخّي شحّة النفس جوعها
و قال أسقف نجران:
منع البقاء تصرف الشمس # و طلوعها من حيث لا تمسي
و طلوعها بيضاء صافية # و غروبها صفراء كالورس
اليوم نعلم ما يجيء به # و مضى بفصل قضائه أمس
و قال الآخر:
و هلك الفتى أن لا يراح إلى الندى # و أن لا يرى شيئا عجيبا فيعجبا [٢]
و من يتتبّع مني الظلع يلقني # إذا ما رآني أصلع الرأس أشيبا
و قال سحيم بن وثيل الرياحي [٣] :
تقول حدراء ليس فيك سوى الـ # خمر معيب يعيبه أحد
فقلت أخطأت بل معاقرتي الـ # خمر و بذلي فيها الذي أجد
هو الثناء الذي سمعت به # لا سبد مخلدي و لا لبد [٤]
[١] الحطمة: السنة الشديدة تحطم كل شيء.
[٢] يراح: أخذته أريحية.
[٣] هو سحيم بن وثيل بن اعيقر التميمي شاعر جاهلي أدرك الاسلام و أسلم. و قد عقر ثلاث مائة ناقة في معاقرة له مع والد الفرزدق غالب بن صعصعة.
[٤] لا سبد و لا لبد: لا قليل و لا كثير.