البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٩٦ - كتاب الزهد
و رأوه يخرج من بيت مومسة، فقيل له: يا روح اللّه ما تصنع عند هذه؟ قال: «إنما يأتي الطبيب المرضى» .
و قال حين مر ببعض الخلق فشتموه، ثم مر بآخرين فشتموه فكلما قالوا شرا قال خيرا، فقال له رجل من الحواريين: كلما زادوك شرا زدتهم خيرا حتى كأنك إنما تغريهم بنفسك، و تحثهم على شتمك!قال: «كل إنسان يعطي مما عنده» .
و قال: «ويلكم يا عبيد الدنيا، كيف تخالف فروعكم أصولكم، و عقولكم أهواءكم. قولكم شفاء يبرئ الداء، و عملكم داء لا يقبل الدواء.
لستم كالكرمة التي حسن ورقها، و طاب ثمرها، و سهل مرتقاها، بل أنتم كالسّمرة التي قل ورقها و كثر شوكها، و صعب مرتقاها. ويلكم يا عبيد الدنيا، جعلتم العمل تحت أقدامكم، من شاء أخذه، و جعلتم الدنيا فوق رءوسكم لا يستطاع تناولها، لا عبيد أتقياء، و لا أحرار كرام، ويلكم أجراء السوء، الأجر تأخذون، و العمل تفسدون. سوف تلقون ما تحذرون يوشك رب العمل أن ينظر في عمله الذي أفسدتم، و في أجره الذي أخذتم. ويلكم غرماء السوء تبدءون بالهدية قبل قضاء الدين، بالنوافل تطوعون، و ما أمرتم به لا تؤدون.
إن رب الدين لا يقبل الهدية حتى يقضي دينه» .
و كان أبو الدرداء يقول: «أقرب ما يكون العبد من غضب اللّه إذا غضب، و احذر أن تظلم من لا ناصر له إلا اللّه» .
و قال وزر العبد:
لعمر أبي المملوك ما عاش أنه # و إن أعجبته نفسه لذليل
يرى الناس أنصارا عليه و ما له # من الناس إلا ناصرون قليل
شيخ من أهل البادية قال: المعرض بالناس أتقى صاحبه و لم يتق ربه. و كان بكر بن عبد اللّه يقول: «أطفئوا نار الغضب بذكر نار جهنم» . و قال: «من كان له من نفسه واعظ عارضه ساعة الغفلة، و حين الحمية» .