البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٩٤ - كتاب الزهد
المحسنون، و يخسر فيه المبطلون. أما و اللّه لو كشف الغطاء لشغل محسن بإحسانه و مسيء بإساءته عن ترجيل شعر و تجديد ثوب [١] .
و حدّث عن عمر بن الخطاب رحمه اللّه أنه قال:
الناس طالبان: فطالب يطلب الدنيا فارفضوها في نحره، فإنه ربما أدرك الذي طلب منها فهلك بما أصاب منها، و ربما فاته الذي طلب منها فهلك بما فاته منها. و طالب الآخرة، فإذا رأيتم طالب الآخرة فنافسوه.
و حدث عن عمر بن الخطاب رحمه اللّه أنه قال:
يا أيها الناس، أنه أتى عليّ حين و أنا أحسب أنه من قرأ القرآن أنه إنما يريد به اللّه و ما عنده. ألا و قد خيل إلي أن أقواما يقرءون القرآن يريدون به ما عند الناس. ألا فأريدوا اللّه بقراءتكم، و أريدوه بأعمالكم، فإنما كنا نعرفكم إذ الوحي ينزل، و إذ النبي صلّى اللّه عليه و سلّم بين أظهرنا، فقد رفع الوحي و ذهب النبي عليه السلام، فإنما أعرفكم بما أقول لكم. ألا فمن أظهر لنا خيرا ظننا به خيرا و أثنينا عليه، و من أظهر لنا شرا ظننا به شرا و أبغضناه عليه. اقدعوا [٢] هذه النفوس عن شهواتها، فإنها طلعة [٣] ، و إنكم إلا تقدعوها تنزع بكم إلى شر غاية. إن هذا الحق ثقيل مريء، و إن الباطل خفيف وبيء، و ترك الخطيئة خير من معالجة التوبة. و رب نظرة زرعت شهوة، و شهوة ساعة أورثت حزنا طويلا.
و كتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز: أما بعد فكأنك بالدنيا لم تكن و كأنك بالآخرة لم تزل.
و قال أبو حازم الأعرج: وجدت الدنيا شيئين: شيئا هو لي لن أعجله دون أجله و لو طلبته بقوة السموات و الأرض، و شيئا هو لغيري لم أنله فيما مضى و لا
[١] ترجيل الشعر: تسريحه و تنظيفه.
[٢] اقدعوا: كفو، امنعوا.
[٣] طلعة: كثيرة التطلع إلى الشيء.