البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٩٠ - كتاب الزهد
قال: و سمع عمرو بن عبيد، عبد الرحيم بن صديقة يقول: قال الحطيئة: إنما أنا حسب موضوع: فقال عمرو: كذب ترحه اللّه، ذلك التقوى.
و قال أبو الدرداء: نعم صومعة المؤمن منزل يكفّ فيه نفسه و بصره و فرجه. و إياكم و الجلوس في هذه الأسواق، فإنها تلغي و تلهي.
و قال الحسن: يا ابن آدم، بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعا، و لا تبع آخرتك بدنياك فتخسرهما جميعا. يا ابن آدم، إذا رأيت الناس في الخير فنافسهم فيه، و إذا رأيتهم في الشر فلا تغبطهم به. الثواء هاهنا قليل، و البقاء هناك طويل. أمتكم آخر الأمم و أنتم آخر أمتكم، و قد أسرع بخياركم فما ذا تنتظرون؟آلمعاينة؟فكأن قد. هيهات هيهات، ذهبت الدنيا بحاليها، و بقيت الأعمال قلائد في أعناق بني آدم، فيا لها موعظة لو وافقت من القلوب حياة!أما أنه و اللّه لا أمة بعد أمتكم، و لا نبيّ بعد نبيكم، و لا كتاب بعد كتابكم. أنتم تسوقون الناس و الساعة تسوقكم، و إنما ينتظر بأولكم أن يلحق آخركم. من رأى محمدا صلّى اللّه عليه و سلّم فقد رآه غاديا رائحا، لم يضع لبنة على لبنة، و لا قصبة على قصبة. رفع له علم فشمر إليه. فالوحاء و النجاء النجاء. علام تعرّجون. أتيتم و رب الكعبة. قد أسرع بخياركم و أنتم كل يوم ترذلون، فما ذا تنتظرون. إن اللّه تعالى بعث محمدا عليه السلام على علم منه، اختاره لنفسه، و بعثه برسالته، و أنزل عليه كتابه، و كان صفوته مع خلقه، و رسوله إلى عباده، ثم وضعه من الدنيا موضعا ينظر إليه أهل الأرض، و آتاه منها قوتا و بلغه، ثم قال:
لَقَدْ كََانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اَللََّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ، فرغب أقوام عن عيشه، و سخطوا ما رضي له ربه، فأبعدهم اللّه و اسحقهم. يا ابن آدم، طأ الأرض بقدمك فإنها عما قليل قبرك، و اعلم أنك لم تزل في هدم عمرك مذ سقطت من بطن أمك. فرحم اللّه رجلا نظر فتفكر، و تفكر فاعتبر، و اعتبر فأبصر، و ابصر فصبر. قد أبصر أقوام فلم يصبروا فذهب الجزع بقلوبهم و لم يدركوا ما طلبوا، و لم يرجعوا إلى ما فارقوا. يا ابن آدم، أذكر قوله: وَ كُلَّ إِنسََانٍ أَلْزَمْنََاهُ طََائِرَهُ