البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٤٧ - منافع العصا و مرافقها
و هي تعدّل من ميل المفلوج، و تقيم من ارتعاش المبرسم و يتخذها الراعي لغنمه، و كل راكب لمركبه، و يدخل عصاه في عروة المزود، و يمسك بيده الطرف الآخر، و ربما كان أحد طرفيها بيد رجل و الطرف الآخر بيد صاحبه و عليها حمل ثقيل.
و تكون إن شئت وتدا في حائط، و إن شئت ركزتها في الفضاء و جعلتها قبلة، و إن شئت جعلتها مظلة، و إن جعلت فيها زجا كانت عنزة [١] ، و إن زدت فيها شيئا كانت عكازا، و إن زدت فيها شيئا كانت مطردا [٢] ، و إن زدت فيها شيئا كانت رمحا.
و العصا تكون سوطا و سلاحا. و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم يخطب بالقضيب، و كفى دليلا على عظم غنائها، و شرف حالها. و على ذلك الخلفاء و كبراء العرب من الخطباء.
و قد كان مروان بن محمد حين أحيط به دفع البرد و القضيب إلى خادم له، و أمره أن يدفنهما في بعض تلك الرمال، و دفع إليه بنتا له، و أمره أن يضرب عنقها. فلما أخذ الخادم في الأسرى قال: إن قتلتموني ضاع ميراث النبي صلّى اللّه عليه و سلّم، فأمنوه على أن يسلم ذلك لهم و قال الشاعر في صفة قناة:
و أسمر عاتر فيه سنان # شراعيّ كساطعة الشعاع [٣]
و قال آخر:
هونة في العنان تهتزّ فيه # كاهتزاز القناة تحت العقاب
[١] عنزة: عصا يتوكأ عليها الشيخ الكبير.
[٢] المطرد: رمح قصير يطرد به الوحش.
[٣] الرمح العاتر: المضطرب من لينه.