البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٤٠ - منافع العصا و مرافقها
تغشى العصا و الزجر أن قيل حل # يرسلها التغميض إن لم ترسل
و هذا مثل قول الهذلي:
و لأنت أشجع من أسامة [١] إذ # شدّوا المناطق تحتها الحلق
حدّ السيوف على عواتقهم # و على الأكف و دونها الدّرق [٢]
كغماغم الثيران بينهم # ضرب تغمض دونه الحدق
و قال حميد بن ثور الهلالي:
اليوم تنتزع العصا من ربها # و يلوك ثني لسانه المنطيق
و يقال: رجل كالقناة، و فرس كالقناة. و قال الشاعر:
متى ما يجيء يوما إلى المال وارثي # يجد جمع كف غير ملأى و لا صفر
يجد فرسا مثل القناة و صارما # حساما إذا ما هزّ لم يرض بالهبر
و جاء في الحديث: أجدبت الأرض على عهد عمر رحمه اللّه حتى ألقت الرعاء العصيّ، و عطّلت النعم، و كسر العظم. فقال كعب [٣] : يا أمير المؤمنين، إن بني اسرائيل كانوا إذا أصابتهم السنة استسقوا بعصبة الأنبياء.
فكان ذلك سبب استسقائه بالعباس بن عبد المطلب.
و ساورت حية أعرابيا فضربها بعصاه و سلم منها، فقال:
لو لا الهراوة و الكفان أنهلني # حوض المنية قتّال لمن علقا [٤]
أصمّ منهرت الشدقين ملتبد # لم يغذ إلا المنايا مذ لدن خلقا [٥]
كأن عينيه مسماران من ذهب # جلاهما مدوس الألان فائتلقا [٦]
[١] أسامة: علم جنس للأسد.
[٢] الدرق: التروس تتخذ من جلود.
[٣] هو كعب بن مانع الحميري المعروف بكعب الأخبار، كان قصاصا يهوديا و أسلم في خلافة عمر، مات بحمص سنة ٣٢ هـ.
[٤] كفان: آلة من آلات الصيد.
[٥] منهرت الشدقين: واسعهما.
[٦] المدوس: خشبة المسن.