البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٢٥٤ - نوادر النوكى و المجانين و جفاة الأعراب
و من الأحاديث المولدة التي لا تكون، و هو في ذلك مليح، قولهم: ناك رجل كلبة فعقدت عليه، فلما طال البلاء رفع رأسه فصادف رجلا يطلع عليه من سطح، فقال له الرجل: أضرب جنبها. فلما ضرب جنبها و تخلص قال: قاتله اللّه، أي نياك كلبات هو! و كان عندنا بالبصرة قاص أعمى، ليس يحفظ من الدنيا إلا حديث جرجيس، فلما بكى واحد من النظارة قال القاص: أنتم من أي شيء تبكون! إنما البلاء علينا معاشر العلماء! قال: و بكى حول أبي شيبان ولده و هو يريد مكة، قال: لا تبكوا يا بنيّ، فإني أريد أن أضحّي عندكم! و قال أخوه: ولدت في رأس الهلال للنصف من شهر رمضان!أحسب أنت الآن هذا كيف شئت! و قال: تزوجت امرأة مخزومية عمها الحجاج بن الزبير الذي هدم الكعبة! و قال: ذلك لم يكن أبا، إنما كان ولدا! و قال أبو دينار: هو و إن كان أخا فقد ينبغي أن ينصف! و من المجانين علي بن اسحاق بن يحيى بن معاذ. و كان أوّل ما عرف من جنونه أنه قال: أرى الخطأ قد كثر في الدنيا، و الدنيا كلها في جوف الفلك، و إنما تؤتى منه، و قد تخلخل و تخرّم و تزايل، فاعتراه ما يعتري الهرمى، و إنما هو منجنون [١] فكم يصبر؟و سأحتال في الصعود إليه، فإني إن نجرته و رندجته [٢] و سوّيته، انقلب هذا الخطأ كله إلى الصواب.
و جلس مع بعض متعاقلي فتيان العسكر، و جاءهم النخاس بجوار فقال:
ليس نحن في تقويم الأبدان، إنما نحن في تقويم الأعضاء، ثمن أنف هذه
[١] منجنون: الدولاب الذي يدور.
[٢] رندج: صبغ بالبرندج و هو صبغ أسود، كلمة فارسية معربة.