البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ١٢٣ - كتاب الزهد
و قال أعرابي:
تبصّرني بالعيش عرسي كأنما # تبصرني الأمر الذي أنا جاهله
يعيش الفتى بالفقر يوما و بالغنى # و كلا كأن لم يلق حين يزايله
و أنشد أبو صالح:
و مشيد دارا ليسكن داره # سكن القبور، و داره لم يسكن
و كان صالح المرّيّ أبو بشر ينشد في قصصه:
و بات يروّي أصول الفسيل # فعاش الفسيل [١] و مات الرجل
و قال الآخر:
إذا أبقت الدنيا على المرء دينه # فما فاته منها فليس بضائر
فلن تعدل الدنيا جناح بعوضة # و لا وزن زفّ من جناح لطائر [٢]
فما رضى الدنيا ثوابا لمؤمن # و لا رضى الدنيا عقابا لكافر
و قال الآخر:
أبعد بشر أسيرا في بيوتهم # يرجو الخفارة [٣] مني آل ظلام
فلن أصالحهم ما دمت ذا فرس # و اشتدّ قبضا على السيلان إبهامي [٤]
فإنما الناس، يا للّه أمهم، # أكائل الطير أو حشو لآرام [٥]
هم يهلكون و يبقى بعد ما صنعوا # كأن آثارهم خطّت بأقلام
[١] الفسيل: مفردها فسيلة: الصغيرة من النخل
[٢] الزف: الصغير من الريش.
[٣] الخفارة: الامان.
[٤] السيلان: ما يدخل من السيف و السكين في النصاب.
[٥] أكائل مفردها أكيلة، و هي الفريسة.