البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ١١ - مطاعن الشعوبية على العرب في الخطابة و العلوم و الحرب
كلا، و لكنكم كنتم رعاة بين الإبل و الغنم، فحملتم القنا في الحضر بفضل عادتكم لحملها في السفر، و حملتموها في المدر بفضل عادتكم لحملها في الوبر، و حملتموها في السلم بفضل عادتكم لحملها في الحرب. و لطول اعتيادكم لمخاطبة الإبل، جفا كلامكم، و غلظت مخارج أصواتكم، حتى كأنكم إذا كلمتم الجلساء إنما تخاطبون الصمّان. و إنما كان جل قتالكم بالعصي. و لذلك فخر الأعشى على سائر العرب فقال:
و لسنا نقاتل بالعصي و لا نرامي بالحجارة
إلا علالة أو بدا # هة قارح نهد الجزاره [١]
و قال آخر:
فإن تمنعوا منا السلاح فعند ما # سلاح لنا لا يشترى بالدراهم
جنادل أملاء الأكفّ كأنها # رءوس رجال حلّقت بالمواسم [٢]
و قال جندل الطهوي:
حتى إذا دارت رحى لا تجري # صاحت عصي من قنا و سدر
و قال آخر:
دعا ابن مطيع للبياع فجئته # إلى بيعة قلبي لها غير آلف
فناولني خشناء لما لمستها # بكفي ليست من أكفّ الخلائف
من الششنات الكزم [٣] أنكرت مسها # و ليست من البيض الرفاق اللطائف
معاودة حمل الهراوي لقومها # فرورا إذا ما كان يوم التسايف [٤]
[١] البداهة: أول مشي الفرس. القارح: الفرس في الخامسة. النهد: المرتفع. الجزارة:
اليدان و الرجلان و العنق.
[٢] جنادل: مفردها جندل: صخرة.
[٣] الكزم: القصيرة الاصابع.
[٤] الهراوي: مفردها هراوة: العصا الضخمة. التسايف: التضارب بالسيوف.