البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ١٠٩ - كتاب الزهد
قالوا: كان الربيع بن خثيم يقول: لا تطعم إلا صحيحا و لا تكس إلا جديدا، و لا تعتق إلا سويا.
قال بعض الملوك لبعض العلماء: ذم لي الدنيا. فقال: أيها الملك، الآخذة لما تعطى، المورّثة بعد ذلك الندم، السالبة ما تكسو، المعقبة بعد ذلك الفضوح، تسد بالأراذل مكان الأفاضل، و بالعجزة مكان الحزمة. تجد في كل من كل خلفا، و ترضى من كل بكل بدلا. تسكن دار كل قرن قرنا، و تطعم سؤر كل قوم قوما.
و كان سعيد بن أبي عروبة يطعم المساكين السكر، و يتأول قوله عز و جل: «و يطعمون الطعام على حبه» .
قال: و كان محمد بن علي إذا رأى مبتلى أخفى الاستعاذة. و كان لا يسمع من داره: يا سائل بورك فيك، و لا يا سائل خذ هذا. و كان يقول:
سموهم بأحسن أسمائهم.
قال: و تمنى قوم عند يزيد الرقاشي، فقال يزيد: سأتمنى كما تمنيتم.
قالوا: تمن قال: ليتنا لم نخلق، و ليتنا إذ خلقنا لم نمت، و ليتنا إذ متنا لم نبعث، و ليتنا إذ بعثنا لم نحاسب، و ليتنا إذ حوسبنا لم نعذب، و ليتنا إذ عذبنا لم نخلد.
قال: و قال رجل لأم الدرداء: إني أجد في قلبي داء لا أجد له دواء، و أجد قسوة شديدة، و أملا بعيدا. قالت: أطلع القبور، و اشهد الموتى.
ابن عون قال: قلت للشعبي: أين كان علقمة [١] من الأسود [٢] ؟ قال: كان الأسود صوّاما قواما، و كان علقمة مع البطيء و هو يسبق السريع.
[١] هو علقمة بن قيس النخعي الكوفي، أدرك الرسول و شهد صفين و غزا خراسان، و كان بعض الصحابة يستفتونه توفي سنة ٦٢ هـ.
[٢] هو الأسود بن يزيد بن قيس، ابن اخي علقمة، كان عابدا يصوم الدهر و ذهبت إحدى عيبه، توفي سنة ٧٤ هـ.