البخلاء - الجاحظ - الصفحة ٨ - مقدمة
إليه كتابه «الزرع و النخل» فمنحه جائزة مقدارها خمسة آلاف دينار.
و في أخباره أنه زار سامرّاء أيضا، و اللاذقية، و حلب، إلى أن استقر في البصرة مركز تأليفه و كتاباته، و فيها شرع يصنّف و يؤلف، فأخذت حياته تتبدّل من الفقر الى الغنى، و من الصنعة الى الانتشار، حتى ذاع صيته و ملأ دنياه.
كان الجاحظ أسود اللون كجدّه فزارة، قصيرا، دميما، جاحظ العينين، قبيح المنظر. إلى أن قيل فيه:
لو يمسخ الخنزير مسخا ثانيا # ما كان إلا دون قبح الجاحظ
و هو نفسه كان يتحدث عن قبحه. فقد روي أن امرأة طلبت منه أن يصطحبها إلى دكانه أحد الصاغة، فلما وصلت هناك قالت للصائغ: «مثل هذا» ، و انصرفت. فسأل الجاحظ الصائغ، ما ذا قد عنت المرأة بقولها ذاك، فأجابه بأنها قد طلبت رسم صورة شيطان على فصّ خاتمها، فاصطحبتك لتمثيل صورته. و هذا ما يؤكد بشاعة الصورة التي كان عليها.
و مهما تكن تلك البشاعة، فإن الجاحظ لم يكن ثقيل الظل، و إنما كان لطيفا محبوبا، عذب اللسان، قوي الشخصية. استطاع بصفاء قلبه، و صدق واقعيته، و نفسيته المرحة أن يجمّل بشاعته و يزيل ما فيها من قرف و اشمئزاز.
لقد تمتّع بطلاوة الحديث، و رطوبة الفكاهة، ورقة الدعابة. و منح أبو عثمان ذكاء فائقا، و ملاحظة دقيقة، و صراحة مطلقة، و عقلا راجحا، و ثقة و تفاؤلا عميقين ما جعله رجلا عزيز الجانب غير مكروه، و محبّبا غير محتقر.
ينتظر الناس فرحه الحاضر، و بديهته اليقظة، انتظارهم كتاباته و نوادره و طرائفه.
ظلّ الجاحظ عطاء يفيض، و فكرا يدفق، حتى أصيب بالفالج ثم بالنقرس. و قد عانى أبو عثمان من هذه الأمراض آلاما شديدة قضت على عنفوان رجل أراد أن يستمرّ بعطائه الفكري من أجل الحياة و الإنسان.