البخلاء - الجاحظ - الصفحة ١٠ - مقدمة
في كتاب «الحيوان» ، و عالما نقديا في «البيان و التبيين» ، و ها هو عالم اجتماعي و ناقد في كتاب البخلاء، يدرس أحوال الناس من خلال سلوكهم و معاشهم، يحلّل أوضاع طبقة من المجتمع العباسي تأثّرت بعوامل طارئة جديدة.
استهل كتابه بردّ على صديق طلب إليه أن يحدّثه عن البخل و نوادره. و قد صدّره بمقدمة طويلة، حاول فيها أن يثير اهتمام القراء، و أن يشعرهم بشيء من الرغبة و التشويق. و من المقدمة انتقل إلى إثبات رسالة سهل بن هارون التي بعث بها إلى بعض أقربائه، الذين اتّهموه بالبخل. و عمد الجاحظ أيضا إلى ذكر نوادر البخلاء و سرد قصصهم، بادئا بأهل مرو، و أهل خراسان، متوقفا عند أهل البصرة من المسجديين ممن يسميهم «أصحاب الجمع و المنع» ، منتقلا الى الأشحّاء من أصحابه و معاصريه كزبيدة بن حميد، و أحمد بن خلف اليزيدي، و خالد بن يزيد، و أبي محمد الخزامي، و الحارثي، و الكندي، و ابن أبي بردة، و اسماعيل بن غزوان، و موسى بن عمران، و الأصمعي، و المدائني و طرائف شتّى، استطاع من خلالها أن يعطينا عيّنات صادقة عن كل حيلة، و كل نادرة بأسلوب قصصي طريف، و براعة فنيّة رائعة. و بعد ذكر نوادره يجد الجاحظ أن البخل عندهم اقتصاد فني، و لهم في ذلك آراء قلما تخطر ببال إنسان.
و للبخلاء عند الجاحظ أقوال كثيرة في وضع كل شيء موضعه، في إظهار منافع المأكولات و أضرارها، فنوى الثمر يعقد الشحم في البطن، و قشور الباقلاء تحتوي الغذاء «إن الباقلاء يقول: من أكلني بقشوري فقد أكلني، و من أكلني بغير قشوري فأنا الذي آكله» .
و أما غاية الكتاب هذا، فإننا نجد أن فريقا من الدراسين ذهب الى أن الجاحظ أراد منه الترويح عن النفس، و إضحاك القارئ. و لكن مهما يكن من أمر، فإن أبا عثمان لم يكن يقنع نفسه بأن مؤلّفه هذا قد وضع من أجل الهزل و التسلية، إنما له فيه أيضا غاية جليلة؛ و هي تصوير طبقة محددة ظهرت في المجتمع العباسي، أرادت أن تسلك طريقا جديدة من العادات و الأخلاق التي لم يألفها العربي سابقا. و إن مؤثرات دخيلة أحدثت فجوات واسعة في