البخلاء - الجاحظ - الصفحة ٣٠ - رسالة سهل بن هارون الى محمد بن زياد و إلى بني عمه من آل زياد
الطيب؛ و قد قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: إذا طبختم لحما فزيدوا في الماء، فإن لم يصب أحدكم لحما، أصاب مرقا.
وعبتموني بخصف النعال [١] ، و بتصدير القميص [٢] ، و حين زعمت أن المخصوفة أبقى و أوطأ و أوقى، و أنفى للكبر، و أشبه بالنسك، و أن الترقيع من الحزم، و أن الاجتماع مع الحفظ، و أن التفرق مع التضييع.
و قد كان النبي صلّى اللّه عليه و سلّم يخصف نعله، و يرقع ثوبه، و يلطع [٣] إصبعه، و يقول: لو أتيت بذراع لأكلت، و لو دعيت الى كراع لأجبت [٤] . و لقد لفّقت سعدى ابنة عوف إزار طلحة، و هو جواد قريش، و هو طلحة الفياض [٥] .
و كان في ثوب عمر رقاع أدم [٦] . و قال: من لم يستحي من الحلال، خفّت مئونته، و قلّ كبره. و قالوا: «لا جديد لمن لا يلبس الخلق» .
و بعث زياد رجلا يرتاد [٧] له محدّثا، و اشترط على الرائد أن يكون عاقلا مسدّدا، فأتاه به موافقا، فقال: «أ كنت ذا معرفة به» ؟قال: «لا و لا رأيته قبل ساعته» . قال: «أ فناقلته الكلام و فاتحته الأمور، قبل أن توصله إليّ» ؟قال: «لا» . قال: «فلم اخترته على جميع من رأيته» ؟ قال: «يومنا يوم قائظ، و لم أزل أتعرّف عقول الناس بطعامهم و لباسهم في مثل هذا اليوم، و رأيت ثياب الناس جددا و ثيابه لبسا [٨] ، فظننت به الحزم» .
[١] خصف النعال: ترقيعها.
[٢] تصدير القميص: تبطينها.
[٣] يلطع: يلحس.
[٤] كراع: شيء من ساق الغنم و غيرها.
[٥] هو طلحة بن عبد اللّه التيمي احد الصحابة. و سعدى ابنة عوف: زوجته.
[٦] رقاع أدم: رقاع من الجلد.
[٧] يرتاد: يريد-يبغي.
[٨] ثيابه لبسا: عتيقة، بالية.