البخلاء - الجاحظ - الصفحة ٢٩ - رسالة سهل بن هارون الى محمد بن زياد و إلى بني عمه من آل زياد
حتى أردفه بالكلإ.
وعبتموني حين ختمت على سدّ [١] عظيم، و فيه شيء ثمين من فاكهة نفيسة و من رطبة غريبة، على عبد نهم، و صبي جشع، و أمة لكعاء [٢] ، و زوجة خرقاء. [٣]
و ليس من أصل الأدب، و لا في ترتيب الحكم، و لا في عادات القادة، و لا في تدبير السادة، أن يستوي في نفيس المأكول، و غريب المشروب، و ثمين الملبوس، و خطير المركوب، و الناعم من كل فنّ، و اللباب من كل شكل، التابع و المتبوع، و السيد و المسود، كما لا تستوي مواضعهم في المجلس، و مواقع أسمائهم في العنوانات، و ما يستقبلون به من التحيات.
و كيف و هم لا يفقدون، من ذلك، و ما يفقد القادر، و لا يكترثون له اكتراث العارف. من شاء أطعم كلبه الدجاج المسمّن و أعلف حماره السمسم المقشّر.
فعبتموني بالختم، و قد ختم بعض الأئمة على مزود سويق، و ختم على كيس فارغ، و قال: «طينة خير من طنّة [٤] » . فأمسكتم عمن ختم على لا شيء، و عبتم من ختم على شيء.
وعبتموني حين قلت للغلام: إذا زدت في المرق فزد في الإنضاج، لنجمع بين التأدّم [٥] باللحم و المرق، و لنجمع، مع الارتفاق [٦] ، بالمرق
[١] سد: سلّة.
[٢] لكعاء: الخبيثة، اللئيمة.
[٣] خرقاء: حمقاء.
[٤] طنة: الطنين، أو لعلها الظنة.
[٥] التأدم: اتخذه إداما، و الإدام ما يجعل مع الخبز فيطيبه.
[٦] الارتفاق: الاستعانة، المساعدة برفق.