البخلاء - الجاحظ - الصفحة ٢٨ - رسالة سهل بن هارون الى محمد بن زياد و إلى بني عمه من آل زياد
العذر المبسوط [١] عرفتم، و لا بواجب الحرمة قمتم.
و لو كان ذكر العيوب برّا و فضلا، لرأينا أن في أنفسنا عن ذلك شغلا.
و إنّ من أعظم الشّقوة، و أبعد من السعادة، ألاّ يزال يتذكر زلل [٢]
المعلمين، و يتناسى سوء استماع المتعلمين، و يستعظم غاط العاذلين [٣]
و لا يحفل بعمد [٤] المعذولين.
عبتموني بقولي لخادمي: أجيدي عجنه خميرا كما أجدته فطيرا، ليكون أطيب لطعمه؛ و أزيد في ريعه. و قد قال عمر بن الخطّاب، رضي اللّه عنه و رحمه، لأهله: املكوا العجين، فإنه أريع الطحينين.
و عبتم عليّ قولي: من لم يعرف مواقع السرف [٥] في الموجود الرخيص، لم يعرف مواقع الاقتصاد في الممتنع الغالي. فلقد أتيت من ماء الوضوء بكيلة يدلّ حجمها على مبلغ الكفاية و أشفّ من الكفاية، فلما صرت الى تفريق أجزائه على الأعضاء، و إلى التوفير عليها من وظيفة الماء، وجدت في الأعضاء فضلا على الماء، فعلمت أن لو كنت مكّنت الاقتصاد في أوائله، و رغبت عن التهاون به في ابتدائه، لخرج آخره على كفاية أوّله، و لكان نصيب العضو الأول كنصيب الآخر؛ فعبتموني بذلك، و شنّعتموه بجهدكم و قبّحتموه. و قد قال الحسن [٦] عند ذكر السّرف: إنه ليكون في الماعونين [٧] : الماء و الكلأ، فلم يرض بذكر الماء،
[١] العذر المبسوط: العذر الظاهر.
[٢] زلل: خطأ.
[٣] العاذلين: اللائمين.
[٤] عمد المعذولين: ما ينتج عنهم من أعمال و خطايا مقصودة.
[٥] السرف: التبذير.
[٦] الحسن: احد الأئمة في صدر الاسلام، و هو الحسن البصري.
[٧] الماعونين: مفردها ماعون، و هو القدر او سواه، مما يستعمله بعض الناس للانتفاع به.