البخلاء - الجاحظ - الصفحة ١٥٠ - أعاجيب ابن عبد الرحمن
الحياة فهذه سبيل الحياة، و إن كنت تحب الموت فلا يبعد اللّه إلا من ظلم» .
هذه كانت وصيته في يوم الرءوس وحده. فلم يكن لعياله إلا التقمّم [١] و مصّ العظم.
و كان لا يشتري الرأس إلا في زيادة الشهر، لمكان زيادة الدماغ.
و كان لا يشتري إلا رأس فتى لوفارة الدماغ، لأن دماغ الفتى أوفر، و يكون مخه أنقص، و مخ المسن أوفر و دماغه أنقص.
و يزعمون أن للأهلّة و المحاق في الأدمغة و الدماء عملا معروفا، و بينها في الربيع و الخريف فضلا بينا. و تزعم الأعراب و العرب أن النطفة إذا وقعت في الرحم، في أول الهلال، خرج الولد قويا ضخما، و إذا كان في المحاق خرج ضئيلا شختا [٢] . و أنشد قول الشاعر:
لقحت في الهلال عن قبل الطّهر # و قد لاح للضياء بشير
ثم نمى و لم يراضع فلوّا [٣] # و رضاع المحجّ عيب كبير [٤]
و كان أبو عبد الرحمن يشتري ذلك الرأس من جميع رءّاسي بغداد، إلا من رءّاسي مسجد ابن رغبان. و كان لا يشتريه إلا يوم سبت. و اختلط عليه الأمر فيما بين الشتاء و الصيف، فكان مرّة يشتريه في هذا الزمان.
و أما زهده في رءوس مسجد ابن رغبان، فان البصريين يختارون لحم الماعز الخصيّ على الضأن كله، و رءوس الضأن أشحم و ألحم رخصا و أطيب. و رأس التيس أكثر لحما من رأس الخصيّ، لأن الخصيّ من الماعز يعرق جلده، و يقلّ لحم رأسه و لا يبلغ جلده و إن كان ما عزا في الثمن عشر ما يبلغ جلد التيس، و لا يكون رأسه إلا دونا. و لذلك تخطاه إلى غيره.
[١] التقمم: يقصدون القمامات أي الأوساخ.
[٢] شختا: دقيقا ضامرا.
[٣] فلوا: مهرا ناميا.
[٤] عن قبل اي في بداية الطهر من الحيض.