الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ٤٢ - الأصنام، و الكعبة
كثروا، و ضاقت بهم مكة، و وقعت بينهم الحروب و العداوات، و أخرج بعضهم بعضا، فاضطروا إلى التفرق في البلاد، و ما من أحد منهم إلا حمل معه حجرا من حجارة الحرم تعظيما للحرم؛ فحيث ما نزلوا وضعوه فطافوا به، كطوافهم بالكعبة، حتى أدى بهم ذلك إلى عبادة تلك الحجارة، ثم جاء من بعدهم؛ فنسوا ما كان عليه آباؤهم من دين إسماعيل، فعبدوا الأوثان [١]و فيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم و إسماعيل يتنسكون بها، من تعظيم البيت و الطواف به، و الحج و العمرة، و الوقوف على عرفة و مزدلفة، و إهداء البدن، و الإهلال بالحج و العمرة، مع إدخالهم فيه ما ليس منه [٢].
و نحن نرجح أن هذا الأخير هو سر عبادتهم للأوثان، و أما عمرو بن لحي، فالظاهر أنه أول من وضع الأصنام على الكعبة، أو حولها، و تبعه غيره، و ربما يشهد لذلك أن مجيئه بالصنم من الشام لا بد أن يسبقه-بحسب العادة-نوع قبول للأصنام، و تعظيم لها.
هذا، إن لم نقل: إنه يعني: أنه كان يعبد الأصنام قبل أن يذهب إلى الشام.
و ما يهمنا هنا هو الإشارة إلى ما كان للكعبة من مكانة لدى الإنسان العربي، فضلا عن غيره، سواء في الوقت الذي كان يعبد فيه الأوثان و يعظمها، أو في تلك الظروف التي بدأ يشعر فيها بعض الناس بسخافة
[١] راجع: البداية و النهاية ج ٢ ص ١٨٨، و المستطرف ج ٢ ص ٧٥ عن ابن إسحاق، و الأصنام ص ٦ و غير ذلك.
[٢] الأصنام: ص ٦.