الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ١١٤ - ٤-نوع معجزته صلّى اللّه عليه و آله
يعتبرون أنفسهم، و يعتبرهم العالم بأسره قمة فيه، إكمالا للحجة، و حتى لا يبقى مجال لأي خيار؛ لأن خروجه «صلى اللّه عليه و آله» في بيئة كهذه، بحجة كهذه، لا بد أن يجعلهم يذعنون و ينقادون للحق، و إلا فلسوف يراهم كل أحد، و يرون أنفسهم أيضا معاندين للحق، و مناصرين للباطل.
نعم، لقد بهرم هذا القرآن و حيّرهم، و لم يترك لهم مجالا للخيار فإما الجحود على علم وَ جَحَدُوا بِهٰا وَ اِسْتَيْقَنَتْهٰا أَنْفُسُهُمْ [١]، و إما الإيمان و التسليم.
و إذا كنا نعلم: أن من مميزات العربي، و بحكم حياته و طبيعته:
أنه كان يعيش حياة الحرية بكل ما لهذه الكلمة من معنى، و لم تلوث فكره و عقله الأفكار و الشبهات و الآراء المصطنعة-كما كان الحال بالنسبة لسائر الأمم، كالرومان و الفرس و غيرهما، الذين كانوا يحاولون فلسفة أديانهم البعيدة عن الفطرة، و المنافرة لها، و إظهارها بمظاهر معقولة و مقبولة-.
إذا كنا نعلم و نرى ذلك، فإن هذا القرآن قد جاء منسجما مع فطرة العربي، و متلائما مع طبعه و سجيته، و مع صفاء نفسه و قريحته، تماما كما كانت الدعوة نفسها منسجمة مع فطرته و روحه، و يستجيب لها عقله، و ضميره و وجدانه، لأنه كان يعيش على الفطرة، و الإسلام دين الفطرة: فِطْرَتَ اَللّٰهِ اَلَّتِي فَطَرَ اَلنّٰاسَ عَلَيْهٰا لاٰ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اَللّٰهِ ذٰلِكَ اَلدِّينُ اَلْقَيِّمُ [٢].
و لذلك نراه سرعان ما صار يبذل ماله، و ولده، و دمه في سبيل هذه
[١] الآية ١٤ من سورة النمل.
[٢] الآية ٣٠ من سورة الروم.