الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ١٠٣ - البحث الثالث
و إذا كان الأمن غير متوفر له، فكيف يمكن أن تتوفر له الفرصة للتفكير في حياته، و محاولة الخروج من واقعه، و تحسين ظروف عيشه، ثم التخطيط للمستقبل بواقعية، و أناة، ثم العمل بهدوء و اطمئنان على تنفيذ خططه، و تحقيق آماله؟ !
و من الجهة الثالثة: كيف و أنى يمكن لآماله أن تنمو، و لطموحاته أن تتجسد و هو في كل يوم يفقد أملا، و يتحمل ألما
و خلاصة الأمر: أنه لا سلطة مركزية تستطيع أن تفرض هيبتها و هيمنتها بيسر و فعالية، بل إن ذلك قد يتعذر بالنسبة إلى أمة تعيش حياة التنقل و الغارة و تتحول باستمرار من مكان إلى مكان.
و قد كان العرب يتجنبون الالتحام بالجيوش المنظمة-لتفوقها عليهم-فإذا تعقبتهم تلك الجيوش هربوا إلى البادية، و اعتصموا بها، و كذلك يفعلون إذا واجهوا الجيش و وجدوا فيه قوة [١].
و إذن. . فهم كانوا يفقدون كل أسباب النهضة و التقدم، و لا يملكون منها حتى الأمل بالتغيير، فضلا عن إرادته، و العمل من أجله، هذا فضلا عن أن الصفات الذميمة، و العادات السيئة، التي كانت تهيمن عليهم جماعات و أفرادا لم تكن تسمح لهم بأية نهضة، أو أي تقدم نحو الأفضل، إن لم تكن تزيد من بلائهم و شقائهم، و تدفعهم خطوة بل خطوات إلى الوراء.
[١] راجع: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج ٥ ص ٤١٣ و ٤١٤ و ٤٢٠، و راجع: تاريخ التمدن الإسلامي المجلد الأول، الجزء الأول ص ٧٠ و حياة محمد لهيكل ص ٣٩ و محاضرات تاريخ الأمم الإسلامية للخضري ج ١ ص ٣٣.