مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٦٢
ثم يضيف أنّه ليس ضرورياً أن تكون الكفارة بصورة أضحية، بل يمكن الإستعاضة عنها بواحد من اثنين آخرين: «أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ» و «أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِيَامًا».
إنّ الهدف من هذه الكفارات هو: «لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ» [١]. ثم لمّا لم يكن لأيّحكم أثر رجعي يعود إلى الماضي، فيقول: «عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ».
أمّا من لم يعتن بهذه التحذيرات المتكررة ولم يلتفت إلى أحكام الكفارة وكرر مخالفاته لحكم الصيد وهو محرم فإنّ اللَّه سوف ينتقم منه في الوقت المناسب: «وَمَن عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ».
بعد ذلك يتناول الكلام صيد البحر: «أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ».
والمقصود من
الطعام
في الآية هو ما يهيّأ للأكل من سمك الصيد إذ أنّ الآية تريد أن تحلل أمرين: الأوّل هو الصيد، والثاني هو الطعام المتخذ من هذا الصيد.
ثم تشير الآية إلى الحكمة في هذا الحكم وتقول: «مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ». أي لكيلا تعانوا المشقة في طعامكم وأنتم محرمون، فلكم أن تستفيدوا من نوع واحد من الصيد، ذلكم هو صيد البحر.
وللتوكيد تعود الآية إلى الحكم السابق مرّة اخرى وتقول: «وَحُرّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا».
ولتوكيد جميع الأحكام التي ذكرت، تقول الآية في الخاتمة: «وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ».
حكمة تحريم الصيد حال الإحرام: معلوم أنّ الحج والعمرة من العبادات التي تفصل الإنسان عن عالم المادة وتنقله إلى محيط ملىء بالمعنويات، فخصوصيات الحياة المادية، والجدال والخصام، والرغبات الجنسية، واللذائذ المادية كلها تنفصل عن الإنسان في مناسك الحج والعمرة، ويبدأ الإنسان ضرباً من الرياضة الإلهية المشروعة، ويبدو أنّ تحريم صيد البرّ في حال الإحرام يرمي إلى الهدف نفسه.
ثم لو أحلّ الصيد لزائري بيت اللَّه الحرام، مع الأخذ بنظر الاعتبار كثرة الزوار وكثرة ترددهم في كل سنة على هذه الأرض المقدسة، لقضي على وجود الكثير من الحيوانات
[١] «وبال»: من «الوبل والوابل» وهو المطر الغزير، ثم اطلق على العمل الشاق الجسيم، ولمّا كان العقاب شديداً وثقيلًا عادة، فقد وصف بأنّه «وبال».