مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣٨ - ٢ سورة البقرة
الرجل منهم، وبالرجل منا الرجلين منهم وجعلوا جراحاتهم على الضعف من جراح أولئك حتى جاء الإسلام، فأنزل اللَّه هذه الآية.
التّفسير
في القصاص حياة: الآيات السابقة طرحت المنهج الإسلامي في «البر»، وهنا يقدم القرآن الكريم- وهكذا في الآيات التالية- مجموعة من الأحكام الإسلامية، إكمالًا لبيان المنهج الإسلامي في الحياة. تبدأ هذه الأحكام من مسألة حفظ حرمة الدماء، وهي مسألة هامة في الحياة الاجتماعية، فتنفي العادات والتقاليد الجاهلية، وتقول للمؤمنين: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِى الْقَتْلَى».
«القصاص»: من «قصّ» يقال قصّ أثره: أي تلاه شيئاً بعد شيء، ومنه القصاص لأنّه يتلو أصل الجناية ويتبعه، وقيل هو أن يفعل بالثاني مثل ما فعله هو بالأول، مع مراعاة المماثلة، ومنه أخذ القصص كأنّه يتبع آثارهم شيئاً بعد شيء.
الآية كما ذكرنا تستهدف بيان الموقف الصحيح من المجرم، ولفظ القصاص يدل على إنزال عقوبة بالمجرم مماثلة لما إرتكبه هو، لكن الآية لا تكتفي بذلك، بل بينت التفاصيل فقالت:
«الْحُرُّ بِالْحُرّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى».
ثم تبين الآية أنّ القصاص، حق لأولياء المقتول، وليس حكماً إلزامياً، فإن شاؤوا أن يعفوا ويأخذوا الدية، وإن شاؤوا ترك الدية فلهم ذلك، وتقول: «فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ». فبعد تبدل حكم القصاص عند عفو أولياء المقتول إلى دية «فَاتّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ».
أي: فعل العافي إتّباع بالمعروف، وهو أن لا يُشدد في طلب الدية وينظر من عليه الدية «وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحسَانٍ». أي: على المعفو عنه أن يبادر إلى دفع الدية عند الإمكان وأن لا يماطل.
ثم تؤكد الآية على ضرورة الالتزام بحدود ما أقره اللَّه، وعدم تجاوز هذه الحدود: «ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ».
وهذا الأمر بالقصاص وبالعفو يشكل تركيباً انسانياً منطقياً، فهو من جهة يدين التقاليد السائدة في الجاهلية الاولى والجاهليات التالية إلى يومنا هذا القاضية بالإنتقام للمقتول الواحد بقتل الآلاف.
ومن جهة اخرى، يفتح باب العفو أمام المذنب، مع الحفاظ على احترام الدم وردع القاتلين.