مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦٦ - ٢ سورة البقرة
تَوَلَّى سَعَى فِى الْأَرْضِ لِيُفسِدَ فِيهَا وَيُهلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَايُحِبُّ الْفَسَادَ». أجل لأنّ هؤلاء لو كانوا صادقين في إيمانهم وإظهارهم المحبة لما أفسدوا في الأرض مطلقاً، فبالرغم من أنّ ظاهرهم المحبة الخالصة إلّاأنّهم في الباطن أشد الناس قساوة ووحشية.
«حرث»: بمعنى الزراعة؛ «نسل»: بمعنى الأولاد وتُطلق أيضاً على أولاد الإنسان وغير الإنسان.
إنّ التعبير «يُهْلِكُ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ» كلام مختصر وجامع لكل المصاديق حيث يشمل الإفساد والتخريب بالنسبة للأموال والنفوس في المجتمع البشري.
والآية الاخرى
تضيف: «وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ» [١]. فتشتعل في قلبه نيران التعصب واللجاج وتجرّه إلى المعصية والإثم.
فمثل هذا الشخص لا يستمع إلى نصيحة الناصحين ولا يهتم للإنذارات الإلهية، بل يستمر على عناده وإرتكابه للآثام والمنكرات مغروراً، فلا يكون جزاؤه إلّاالنار، ولذلك يقول في نهاية الآية: «فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ».
٢/ ٢٠٧ وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَ اللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)
سبب النّزول
روى الثعلبيّ في تفسيره: لمّا أراد النّبي صلى الله عليه و آله الهجرة إلى الغار خلّف عليّاً عليه السلام لقضاء ديونه وردّ الودائع التي كانت عنده، وأمره ليلة خروج إلى الغار وقد أحاط المشركون بالدار وقال له:
«يا عليّ! اتّشح ببردي الحضرمي ثم نم على فراشي فإنّه لا يخلص إليك منهم مكروه إن شاء اللَّه تعالى».
ففعل ما أمره، فأوحى عزّ وجلّ إلى جبرئيل وميكائيل: أنّي قد آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من الآخر فأيّكما يؤثر صاحبه بالحياة؟ فاختار كل منهما الحياة فأوحى اللَّه عزّ وجلّ إليهما: ألا كنتما مثل عليّ بن أبي طالب آخيت بينه وبين محمّد فبات على فراشه يفديه بنفسه ويؤثره بالحياة، اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوّه. فنزلا فكان
[١] «العزّة»: في مقابل الذلّة في الأصل، ولكن هنا ورد بمعنى الغرور والنخوة.