مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦٢ - ٢ سورة البقرة
وتسمح بابتغاء فضل اللَّه في هذا الموسم عن طريق العمل والكد. وهذا مضافاً إلى أنّ سفر المسلمين من كل فجّ عميق إلى بيت اللَّه الحرام لعقد مؤتمر الحج العظيم يستطيع أن يكون منطلقاً لتحرك اقتصادي عام في المجتمعات الإسلامية.
ثم تعطف الآية الشريفة على ما تقدم من مناسك الحج وتقول: «فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَيكُمْ وَإِن كُنتُم مِّنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالّينَ».
ثم تقول الآية في حديثها هذا: «ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ». فهذا المقطع يتضمّن أمراً بالإفاضة أي بالإندفاع والحركة من المشعر الحرام إلى أرض مِنى.
ففي نهاية الآية تُعطي أمراً بالاستغفار والتوبة وتقول: «وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ».
ففي هذا المقطع من الآيات إشارة إلى ثلاث مواقف من مواقف الحج (عرفات) وهي صحراء وتقع على بعد ٢٠ كيلومتراً تقريباً من مكّة، ثم الوقوف ب (المشعر الحرام أو المزدلفة) والثالث أرض (منى) وهي محل ذبح الأضاحي ورمي الجمرات وحلّ الإحرام وأداء مناسك العيد.
بحثان
١- أوّل موقف للحجيج: تقدم أنّ حجاج بيت اللَّه الحرام يتجهون بعد أداء مناسك العمرة نحو أداء مناسك الحج، وأوّل موقف يقفون فيه هو في
«عرفات»
، وفي سبب تسمية هذه الأرض بهذا الاسم هي أنّ هذه الأرض المشرفة التي تبدأ منها اولى مراحل الحج محيط مناسب جدّاً لمعرفة اللَّه تعالى. والحاج في هذا الموقف يشعر حقّاً بانشداد روحي ومعنوي لا يمكن التعبير عنه بالكلمات.
الحجيج في هذه الأرض القاحلة متجمعون بشكل واحد وبزيّ واحد، قد هربوا من بريق الحياة وزخرفها وصخبها وضجيجها ولاذوا بهذه الأرض المشرفة المفعمة بذكريات الرسالات السماوية، حيث يحمل نسيمها نداء جبرائيل وصوت الخليل ودعوة النبي الخاتم صلى الله عليه و آله وصحبه المجاهدين، وتنطق أرضها بصور الجهاد والتضحية والإنقطاع إلى اللَّه على مرّ التاريخ، كأنّ هذه الأرض نافذة تشرف على عالم ما وراء الطبيعة، يرتوي فيها الإنسان من منهل العرفان، وينساق مع تسبيح الخليقة العام، بل يعود أيضاً إلى ذاته التي انفصل عنها زمناً طويلًا فيعرف نفسه، نعم إنّها «عرفات» وما أجمل هذا الاسم!
٢- درس الوحدة والاتحاد: جاء في بعض الروايات الشريفة أنّ قبائل قريش كانت