مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢ - ٢ سورة البقرة
وحدة شخصيته، ويتّجه نحو إزدواجية الشخصية وتعدد الشخصيات في ذاته، ويهدر بذلك طاقاته على طريق التذبذب والتآمر والتخريب، وهو مع ذلك يعتقد برجاحة عقله؟!
العلامة الثالثة
لهؤلاء، هي تلونهم بألوان معينة تبعاً لما تفرضه عليهم مصالحهم، فهم انتهازيون يظهرون الولاء للمؤمنين ولأعدائهم من الشياطين: «وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ ءَامَنُوا قَالُوا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهزِءُونَ».
وبلهجة قوية حاسمة يرد القرآن الكريم على هؤلاء ويقول: «اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ» [١].
الآية الأخيرة
توضّح المصير الأسود المظلم لهؤلاء المنافقين، وخسارتهم في سيرتهم الحياتية الضّالة: «أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّللَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ».
إنّ إزدواجية الشخصية، والتضاد بين المحتوى الداخلي والسلوك الخارجي في وجود المنافقين، يفرز ظواهر عديدة بارزة مشهودة في أعمالهم وأقوالهم وسلوكهم الفردي والاجتماعي.
سعة معنى النفاق: النفاق في مفهومه الخاص صفة اولئك الذين يظهرون الإسلام، ويبطنون الكفر، لكن النفاق له معنىً عام واسع يشمل كل ازدواجية بين الظاهر والباطن، وكل افتراق بين القول والعمل، من هنا قد يوجد في قلب المؤمن بعض ما نسميه «خيوط النفاق».
ففي الحديث عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله:
«ثلاث من كنّ فيه كان منافقاً وإن صام وصلّى وزعم أنّه مسلم: من إذا ائتمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف» [٢].
الحديث لا يدور هنا طبعاً عن المنافق بالمعنى الخاص، بل عن الذي في قلبه خيوط من النفاق، تظهر على سلوكه بأشكال مختلفة، وخاصة بشكل رياء، كما جاء في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام:
«الرّياء شجرة لا تُثمر إلّاالشّرك الخفيّ وأصلها النّفاق» [٣].
[١] «يعمهون»: من «العَمَه» أي التردّد في الأمر، وأيضاً بمعنى عمى القلب والبصيرة بسبب التحيّر.
[٢] بحار الأنوار ٦٩/ ١٠٨/ ٨.
[٣] بحار الأنوار ٦٩/ ٣٠٠/ ٣٧.