مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩١ - ٣ سورة آل عمران
سبب النّزول
في تفسير مجمع البيان: قيل: نزلت الآيات في رجل من الأنصار يقال له: حارث بن سويد بن الصامت. وكان قتل المحذر بن زياد البلوي غدراً، وهرب وارتد عن الإسلام، ولحق بمكة ثم ندم، فأرسل إلى قومه أن يسألوا رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: هل لي من توبة؟ فسألوا.
فنزلت الآية إلى قوله «إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا» فحملها إليه رجل من قومه، فقال: إنّى لأعلم أنّك لصدوق، ورسول اللَّه أصدق منك، وأنّ اللَّه أصدق الثلاثة. ورجع إلى المدينة وتاب وحسن إسلامه.
التّفسير
كان الكلام في الآيات السابقة عن أنّ الدين الوحيد المقبول عند اللَّه هو الإسلام، وفي هذه الآيات يدور الحديث حول من قبلوا الإسلام ثم رفضوه وتركوه، ويسمى مثل هذا الشخص «مرتد». تقول الآية: «كَيْفَ يَهْدِى اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيّنَاتُ».
فالآية تقول: إنّ اللَّه لا يعين أمثال هؤلاء الأشخاص على الإهتداء، لماذا؟ لأنّ هؤلاء قد عرفوا النبي بدلائل واضحة وقبلوا رسالته، فبعدولهم عن الإسلام أصبحوا من الظالمين والشخص الذي يظلم عن علم واطلاع مسبق غير لائق للهداية الإلهية: «وَاللَّهُ لَايَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ».
المراد من «البينات» في هذه الآية، القرآن الكريم وسائر معاجز النبي الأكرم صلى الله عليه و آله والمراد من «الظالم» هو من يظلم نفسه بالمرتبة الأولى ويرتد عن الإسلام وفي المرتبة الثانية يكون سبباً في إضلال الآخرين.
ثم تضيف الآية: «أُولئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ».
عقاب أمثال هؤلاء الأشخاص الذين يعدلون عن الحق بعد معرفتهم له، كما هو مبيّن في الآية، أن تلعنهم الملائكة وأن يلعنهم الناس.
«خَالِدِينَ فِيهَا لَايُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ».
تضيف الآية هنا أنّهم فضلًا عن كونهم موضع لعن عام، فإنّهم سيبقون في هذا اللعن إلى الأبد، فهم في الواقع كالشيطان الخالد في اللعن الأبدي.
ولا شكّ أنّ نتيجة ذلك هو أن يكونوا في عذاب شديد ودائم بغير تخفيف ولا إمهال.