مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٩٠ - ٢ سورة البقرة
سبب النّزول
في تفسير مجمع البيان عن ابن عباس: إنّ ابن صوريا قال لرسول اللَّه صلى الله عليه و آله: يا محمّد! ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل اللَّه عليك من آية بيّنة فنتبعك لها. فأنزل اللَّه هذه الآية.
التّفسير
الناكثون من اليهود: الآية الاولى تشير إلى الآيات والعلامات والدلائل الكافية الواضحة التي توفرت لدى رسول اللَّه صلى الله عليه و آله وتؤكد أنّ المعرضين عن هذه الآيات البينات أدركوا في الواقع حقانية الدعوة، لكنهم هبّوا للمعارضة مدفوعين بأغراضهم الشخصية:
«وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ءَايَاتٍ بَيّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ».
ثم يتطرق القرآن إلى صفة مجموعة من اليهود، وهي صفة النكول ونقض العهود والمواثيق، وكأنّها صفة تاريخية تلازمهم على مر العصور: «أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَايُؤْمِنُونَ».
لقد أخذ اللَّه ميثاقهم في جانب الطور أن يعملوا بالتوراة لكنهم نقضوا الميثاق، وأخذ منهم الميثاق أن يؤمنوا بالنّبي الخاتم المذكور عندهم في التوراة فلم يؤمنوا به.
الآية الأخيرة
تؤكد بصراحة أكثر على هذا الموضوع: «وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَايَعْلَمُونَ».
كان أحبار اليهود يبشرون الناس قبل البعثة النبوية بالرسول الموعود ويذكرون لهم علاماته وصفاته، فلما بعث نبي الإسلام، أعرضوا عما جاء في كتابهم، وكأنّهم لم يروا ولم يقرأوا ما ذكرته التوراة في هذا المجال.
بحثان
١- واضح أنّ تعبير «النزول» أو «الإنزال» بشأن القرآن الكريم لا يعني الإنتقال المكاني من الأعلى إلى الاسفل وأنّ اللَّه مثلًا في السماء وأنزل القرآن إلى الأرض، بل التعبير يشير إلى علو مكانة رب العالمين.
٢- القرآن في حديثه عن اليهود لا يوبّخ الجميع بسبب ذنوب الأكثرية، بل يستعمل كلمات مثل «فريق» «أكثر» ليصون حق الأقلية المؤمنة المتقية، وطريقة القرآن هذه في حديثه عن الامم درس لنا كي لا نحيد في أحاديثنا ومواقفنا عن الحق والحقيقة.