مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤٧ - ٢ سورة البقرة
سبب النّزول
روي في تفسير مجمع البيان أنّ الأكل كان محرّماً في شهر رمضان بالليل بعد النوم، وكان النكاح حراماً بالليل والنهار في شهر رمضان، وكان رجل من أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه و آله يقال له مطعم بن جيبر ... شيخاً ضعيفاً، وكان صائماً، فأبطأت عليه أهله بالطعام فنام قبل أن يفطر، فلمّا انتبه قال لأهله: قد حُرّم عليّ الأكل في هذه الليلة. فلمّا أصبح حضر حفر الخندق فاغمي عليه، فرآه رسول اللَّه صلى الله عليه و آله فرقّ له.
وكان قوم من الشباب ينكحون بالليل سرّاً في شهر رمضان، فأنزل اللَّه هذه الآية فأحلّ النكاح بالليل في شهر رمضان، والأكل بعد النوم إلى طلوع الفجر.
التّفسير
رخصة في أحكام الصوم: مر بنا في سبب نزول الآية أنّ النكاح كان محرماً في ليالي شهر رمضان إضافة إلى نهاره، وأنّ الأكل والشرب كانا محرمين في الليل أيضاً بعد النوم، ولعل ذلك كان اختباراً للجيل الإسلامي الأول وإعداداً له كي يتقبل أحكام الصوم الثابتة. الآية الكريمة تتضمن أربعة أحكام إسلامية في حقل الصوم والإعتكاف. تقول أوّلًا: «أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ» [١].
ثم تذكر الآية سبب الحكم فتقول: «هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ».
واللباس يحفظ الجسم من الحر والبرد وأنواع الأخطار من جهة، ويستر عيوب الجسم من جهة اخرى، أضف إلى أنّه زينة للإنسان، وتشبيه الزوج باللباس يشمل كل هذه الجوانب.
ثم يبين القرآن سبب تغيير هذا القانون الإلهي ويقول: «عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ». فاللَّه سبحانه وسّع عليكم الأمر وخففه، وجعل فيه رخصة بلطفه ورحمته، كي لا تتلوثوا بالذنوب.
«فَالنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ».
ثم تبين الآية الحكم الثاني وتقول: «وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ».
وتبين الآية الحكم الثالث: «ثُمَّ أَتِمُّوا الصّيَامَ إِلَى الَّيلِ».
[١] «الرفث»: هو الحديث المكشوف عن المسائل الجنسية، واستعير لمعنى الجماع كما في الآية.