مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٧٦ - ٢ سورة البقرة
والطائف- فوجدوا بها عمرو بن الحضرمي في عير تجارة لقريش في آخر يوم من جمادي الآخرة، وكانوا يرون أنّه من جمادي، وهو رجب- من الأشهر الحرم- فاختصم المسلمون فقال قائل منهم: هذه غرة من عدو وغُنْم رزقتموه ولا ندري أمن الشهر الحرام هذا اليوم أم لا. وقال قائل منهم: لا نعلم هذا اليوم إلا من الشهر الحرام ولا نرى أن تستحلوه لطمع أشفيتم عليه. فغلب على الأمر الذي يريدون عرض الحياة الدنيا، فشدوا على ابن الحضرمي فقتلوه وغنموا عيره فبلغ ذلك كفار قريش. وكان ابن الحضرمي أوّل قتيل قتل بين المشركين والمسلمين وذلك أوّل فيء أصابه المسلمون فركب وفد كفار قريش حتى قدموا على النبي صلى الله عليه و آله فقالوا: أيحلّ القتال في الشهر الحرام؟ فأنزل اللَّه سبحانه هذه الآية.
نزلت الآية الثانية في قصّة عبداللَّه بن جحش وأصحابه لما قاتلوا في رجب، وقتل واقد السهمي ابن الحضرمي فظنّ قوم أنّهم إن أسلموا من الإثم فليس لهم أجر، فأنزل اللَّه سبحانه الآية فيهم بالوعد.
التّفسير
الآية الاولى تتصدّى للجواب عن الأسئلة المرتبطة بالجهاد والاستثناءات في هذا الحكم الإلهي فتقول الآية: «يَسَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ». ثم تُعلن الآية حرمة القتال وأنّه من الكبائر «قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ». أي إثم كبير.
وبهذا يُمضي القرآن الكريم بجديّة السنّة الحسنة التي كانت موجودة منذ قديم الأزمان بين العرب الجاهليّين بالنسبة إلى تحريم القتال في الأشهر الحرم (رجب، ذيالقعدة، ذيالحجة، محرم).
ثم تضيف الآية أنّ هذا القانون لا يخلو من الاستثناءات، فلا ينبغي السّماح لبعض المجموعات الفاسدة لاستغلال هذا القانون في إشاعة الظلم والفساد، فعلى الرغم من أنّ الجهاد حرام في هذه الأشهر الحرم، ولكن الصد عن سبيل اللَّه والكفر به وهتك المسجد الحرام وإخراج الساكنين فيه وأمثال ذلك أعظم إثماً وجرماً عنداللَّه «وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ».
ثم تضيف الآية بأنّ إيجاد الفتنة والسعي في إضلال الناس وحرفهم عن سبيل اللَّه ودينه أعظم من القتل «وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ» لأنّ القتل ما هو إلّاجناية على جسم الإنسان،