مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٢٤ - ٤ سورة النساء
ءَامَنُوا يُقَاتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِى سَبِيلِ الطَّاغُوتِ». أي إنّ الحياة في كل الأحوال لا تخلو من الكفاح والصراع، غير أنّ جمعاً يقاتلون في طريق الحق، وجمعاً يقاتلون في طريق الشيطان والباطل. لذلك تطلب الآية من أنصار الحق أن ينبروا لقتال أنصار الشيطان دونما رهبة وخوف:
«فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطنِ».
كما توضح هذه الآية حقيقة مهمة، هي أنّ الطاغوت والقوى المتجبرة- مهما إمتلكت من قوة ظاهرية- ضعيفة في نفسها وجبانة في باطنها، وبهذا تطمئن الآية المؤمنين كي لا يخافوا من هؤلاء الطواغيت، ولأنّهم لا يعتمدون على منشأ القدرة الأزلية الأبدية الذي هو اللَّه العزيز القدير، بل يعتمدون على قدرة الشيطان الضعيفة الجوفاء: «إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطنِ كَانَ ضَعِيفًا».
٤/ ٧٧ أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَ آتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَ قَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْ لَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَ لَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧)
سبب النّزول
في الدر المنثور عن ابن عباس: أنّ عبد الرحمن بن عوف وأصحاباً له أتوا النبي صلى الله عليه و آله فقالوا: يا نبي اللَّه كنا في عز ونحن مشركون فلمّا آمنا صرنا أذلة فقال: إنّى امرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم فلما حوّله اللَّه إلى المدينة أمره اللَّه بالقتال فكفوا فأنزل اللَّه الآية.
التّفسير
قوم بضاعتهم الكلام دون العمل: تتحدث الآية بلغة التعجب من أمر نفر أظهروا رغبة شديدة في الجهاد خلال ظرف غير مناسب، وأصرّوا على السماح لهم بذلك، وقد صدرت الأوامر لهم- حينئذ- بالصبر والاحتمال، ودعوا إلى إقامة الصلاة، وأداء الزكاة، وبعد أن سنحت الفرصة وآتت الظروف للجهاد بصورة كاملة وأمروا به، استولى على هؤلاء النفر الخوف والرعب، وانبروا يعترضون على الأمر الإلهي ويتهاونون في أدائه. تقول الآية: «أَلَمْ