مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤ - ١ سورة الفاتحة
وممّا تقدم نفهم لماذا ابتدأت سورة الحمد بعبارة: «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ».
«الحمد» في اللغة: الثناء على عمل أو صفة طيبة مكتسبة عن اختيار، أي حينما يؤدّي شخص عملًا طيّباً عن وعي، أو يكتسب عن اختيار صفة تؤهله لأعمال الخير فإنّنا نحمده ونثني عليه. ولو علمنا أنّ الألف واللام في (الحمد) هي لاستغراق الجنس، لعلمنا أنّ كل حمد وثناء يختص باللَّه سبحانه دون سواه.
فثناؤنا على الآخرين ينطلق من ثنائنا عليه تعالى، لأنّ مواهب الواهبين كالأنبياء في هدايتهم للبشر، والمعلمين في تعليمهم، والكرماء في بذلهم وعطائهم، والأطباء في علاجهم للمرضى وتطبيبهم للمصابين، إنّما هي في الأصل من ذاته المقدسة.
وهكذا الشمس حين تغدق علينا بأشعتها، والسحب بأمطارها، والأرض ببركاتها، كل ذلك منه سبحانه، ولذلك فكل الحمد له.
جدير بالذكر أنّ الحمد ليس بداية كل عمل فحسب، بل هو نهاية كل عمل أيضاً كما يعلمنا القرآن. يقول سبحانه في الآية (١٠) من سورة يونس عن أهل الجنة: «دَعْوَيهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلمٌ وَءَاخِرُ دَعْوَيهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ».
أمّا كلمة «ربّ»: فهي في الأصل بمعنى مالك وصاحب الشيء الذي يهتم بتربيته واصلاحه. وكلمة «عالمين»: جمع «عالم» والعالم: مجموعة من الموجودات المختلفة وحين تجمع بصيغة «عالمين» فيقصد منها كل مجموعات هذا العالم.
وفي تفسير نور الثقلين عن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام في تفسير «ربّ العالمين» قال:
«ربّ العالمين وهم الجماعات من كل مخلوق من الجمادات والحيوانات».
١/ ٣ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣) إنّ صفتي
«الرّحمن»
و
«الرّحيم»
تتكرران في البسملة والحمد، «والملتزمون» بذكر البسملة في السورة يكررون هاتين الصفتين في صلواتهم اليومية الواجبة ثلاثين مرّة، وكذلك في الحمد وبذلك يصفون اللَّه برحمته ستين مرّة يومياً. وهذا في الواقع درس لكل جماعة بشرية سائرة على طريق اللَّه، وتواقة للتخلق بأخلاق اللَّه، أنّه درس يبعد البشرية عن تلك الحالات التي شهدها تاريخ الرق في ظل القياصرة والأكاسرة والفراعنة.