مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٦٢ - ٤ سورة النساء
والحالة هذه- غير مرغمين على الإستمرار في مثل هذه الحياة المُرّة الكريهة، بل يستطيعان أن ينفصلا عن بعضهما وعليهما اتخاذ موقف شجاع وحاسم في هذا المجال دون خوف أو رهبة من المستقبل، لأنّهما لو انفصلا في مثل تلك الحالة فإنّ اللَّه العليم الحكيم سيغنيهما من فضله ورحمته، فلا يعدمان الأمل في حياة مستقبلية أفضل، فتقول الآية الكريمة في هذا المجال: «وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا».
٤/ ١٣٤- ١٣١ وَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي الْأَرْضِ وَ لَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ إِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي الْأَرْضِ وَ كَانَ اللَّهُ غَنِيّاً حَمِيداً (١٣١) وَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي الْأَرْضِ وَ كَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٣٢) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَ يَأْتِ بِآخَرِينَ وَ كَانَ اللَّهُ عَلَى ذلِكَ قَدِيراً (١٣٣) مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ وَ كَانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً (١٣٤) لقد أوضحت الآية السابقة أن إذا اقتضت الضرورة لزوجين أن ينفصلا عن بعضهما دون أن يجدا حلًا بديلًا عن الانفصال فلا مانع من ذلك، وليس عليهما أن يخافا من حياة المستقبل، لأنّ اللَّه سيشملهما بكرمه وفضله، ويزيل احتياجهما برحمته وبركته. أمّا في الآية- موضوع البحث- فإنّ اللَّه يؤكّد قدرته على إزالة ورفع تلك الاحتياجات، لأنّه مالك ما في السماوات وما في الأرض «وَلِلَّهِ مَا فِى السَّموَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ». وإنّ من يملك ملكاً لا نهاية له كهذا الملك، ويملك قدرة لا نفاد لها أبداً، لن يكون عاجزاً- مطلقاً- عن رفع احتياجات خلقه وعباده.
ولكي تؤكد الآية ضرورة التقوى في هذا المجال وفي أي مجال آخر، تشير الآية إلى أنّ اليهود والنصارى وكل من كان له كتاب سماوي قبل المسلمين قد طلب منهم جميعاً كما طلب منكم مراعاة التقوى: «وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ».
بعد ذلك تتوجه الآية إلى مخاطبة المسلمين، فتؤكّد لهم أنّ الالتزام بحكم التقوى سيجلب النفع لهم، وأن ليس للَّهبتقواهم حاجة، كما تؤكد أنّهم إذا عصوا وبغوا، فإنّ ذلك لا يضرّ اللَّه أبداً، لأنّ اللَّه هو مالك ما في السماوات وما في الارض، فهو غير محتاج إلى أحد أبداً، ومن