مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٧٤ - ٣ سورة آل عمران
يبق معه إلّانفر قليل، بينما تركه الذين احتملوا أن يؤدّي قبولهم دعوة المسيح والتقيّد بالقوانين الإلهية إلى ضياع مصالحهم. بعد أن أعلن عيسى دعوته وأثبتها بالأدلة الكافية، أدرك أنّ جمعاً من بني إسرائيل يصرّون على المعارضة والعصيان ولا يتركون المعاندة والانحراف: «فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ». فنادى في أصحابه و «قَالَ مَنْ أَنصَارِى إِلَى اللَّهِ» [١]. فاستجاب لندائه نفر قليل، كانوا أطهاراً سمّاهم القرآن ب «الحواريين» لبّوا نداء المسيح ولم يبخلوا بشيء في سبيل نشر أهدافه المقدسة.
أعلن الحواريون استعدادهم لتقديم كل عون للمسيح عليه السلام وقالوا: «نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ».
لاحظ أنّ الحواريين قالوا: نحن أنصار اللَّه ننصر دينه. بل لكي يعربوا عن منتهى إيمانهم بالتوحيد وليؤكّدوا إخلاصهم ولم يقولوا: نحن أنصارك.
وبعد أن قبل الحواريون دعوة المسيح إلى التعاون معه واتخاذه شاهداً عليهم في إيمانهم، اتّجهوا إلى اللَّه يعرضون عليه إيمانهم قائلين: «رَبَّنَا ءَامَنَّا بِمَا أَنزَلْتَ». ولكن لما كانت دعوى الإيمان لا تكفي وحدها، فقد اتّبعوا ذلك بقيامهم بتنفيذ أوامر اللَّه واتّباع رسوله المسيح وقالوا مؤكّدين: «وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ».
عندما يتغلغل الإيمان في روح الإنسان لابدّ أن ينعكس ذلك على عمله، فبدون العمل يكون إدّعاؤه الإيمان تقوّلًا، لا إيماناً حقيقياً.
بعد ذلك طلبوا من اللَّه قائلين «فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ». والشاهدون هم اولئك الذين لهم صفة قيادة الامم، ويوم القيامة يشهدون على أعمال الناس الحسنة والسيئة.
وبعد أن إنتهى الحواريون من شرح إيمانهم، أشاروا إلى خطط اليهود الشيطانية، وقالوا:
إنّ هؤلاء- لكي يقضوا على المسيح عليه السلام وعلى دعوته ويصدّوا انتشار دينه- وضعوا الخطط الماكرة، إلّاأنّ ما رسمه اللَّه من مكر فاق مكرهم وكان أشدّ تأثيراً: «وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ».
[١] التعبير ب «أحسّ» مع أنّ الكفر أمر باطني لا يدرك بالحواس قد يكون أنّ إصرارهم على الكفر بلغ مرتبة منالشدّة وكأنّه أصبح محسوساً (الميزان في تفسير القرآن، ذيل الآية مورد البحث).