مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٣ - ٢ سورة البقرة
وبعد أن ذمّ القرآن الفئة المذكورة من اليهود والنصارى، أشاد باولئك الذين آمنوا من أهل الكتاب وانضموا تحت راية الرسالة الخاتمة: «الَّذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ [أي: بالتفكر والتدبر ثم العمل به] أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ». أي: يؤمنون بالرسول الكريم صلى الله عليه و آله «وَمَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ».
بحوث
١- سؤال عن عصمة الأنبياء: العبارة القرآنية: «وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أهوَاءَهُمْ» قد تثير سؤالًا بشأن عصمة الأنبياء، فهل يمكن للنبي صلى الله عليه و آله- وهو معصوم- أن يتبع أهواء المنحرفين من اليهود والنصارى؟
في الجواب نقول: مثل هذه التعبيرات تكررت في القرآن الكريم، ولا تتعارض مع مقام عصمة الأنبياء لأنّها- من جهة- جملة شرطية والجملة الشرطية لا تدل على تحقق الشرط.
ومن جهة اخرى، عصمة الأنبياء لا تجعل الذنب على الأنبياء محالًا، بل المعصوم له قدرة على إرتكاب الذنب، ولم يسلب منه الإختيار، ومع ذلك لم يتلوث بالذنوب.
من جهة ثالثة، هذا الخطاب وإن اتّجه إلى النبي صلى الله عليه و آله ولكن قد يكون موجهاً إلى الناس جميعاً.
٢- للإسترضاء حدود: صحيح أنّ الإنسان الرّسالي يجب أن يسعى بأخلاقه إلى جذب الأعداء إلى صفوف الدعوة، لكن مثل هذا الموقف يجب أن يكون تجاه المخالفين الذين يتحركون في مخالفتهم من موقع الغفلة والمرونة، أمّا الموقف تجاه المعاندين المتصلبين فينبغي أن يكون غير ذلك، ولا يجوز إهدار الوقت مع هؤلاء، بل لابدّ من الإعراض عنهم وتركهم.
٣- حق التلاوة: عبّر القرآن عن الفئة المهتدية من أهل الكتاب بأنّهم «يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ»، وهو تعبير عميق.
في تفسير الميزان عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام في تفسير هذه الآية:
«يرتّلون آياته، ويتفقّهون به، ويعملون بأحكامه، ويرجون وعده، ويخافون وعيده، ويعتبرون بقصصه، ويأتمرون بأوامره، وينتهون بنواهيه، ما هو واللَّه حفظ آياته ودرس حروفه، وتلاوة سوره ودرس أعشاره وأخماسه [١]، حفظوا حروفه وأضاعوا حدوده، وإنّما هو تدبّر آياته والعمل
بأحكامه، قال اللَّه تعالى:
«كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا ءَايَاتِهِ»
[١] المقصود من الأعشار والأخماس تقسيمات القرآن.