مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٨٧ - ٢ سورة البقرة
قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيْمٌ بِالظَّالِمِينَ».
هؤلاء يعلمون ما في ملفّ أعمالهم من وثاق سوداء ومن صحائف إدانة، واللَّه عليم بكل ذلك، ولذلك فهم لا يتمنون الموت، لأنّه بداية حياة يحاسبون فيها على كل أعمالهم.
الآية الأخيرة
تذكر انشداد هؤلاء بالأرض وحرصهم الشديد على المال والمتاع:
«وَلَتَجِدَنَّهُمْ أحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَوةٍ». وتذكر الآية أنّ حرصهم هذا يفوق حرص الذين أشركوا: «وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا».
المشركون ينبغي أن يكونوا أحرص من غيرهم على جمع المال والمتاع، لكن هؤلاء من أصحاب الإدعاءات الفارغة، بلغوا من الحرص ما لم يبلغه المشركون.
وبلغ شغفهم بالدنيا أنّه «يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ» لجمع مزيد من متاع الدنيا، أو خوفاً من عقاب الآخرة! لكن هذا العمر الذي يتمناه كل واحد منهم لا يبعده عن العذاب، ولا يغير من مصيره شيئاً «وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ». إذ كل شيء محصى لدى اللَّه، ولا يعزب عن عمله شيء «وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ».
بحوث
١- ما هو المراد من الأعوام الألف: المقصود من الأعوام الألف في قوله تعالى: «يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ». ليس هذا العدد المعروف، والعرب لم تكن تعرف أنذاك عدداً أكبر من الألف، ولم يكن لما يزيد على الألف اسم عندالعرب، ولذلك كان أبلغ تعبير عنالكثرة.
٢- علة ورود كلمة «الحياة» نكرة في الآية: تنكير الحياة في تعبير الآية «وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَوةٍ» تفيد الإستهانة والتحقير. أي إنّ هؤلاء حريصون حتّى على أتفه حياة وأرخصها وأشقاها، ويفضلونها على الآخرة.
٣- إفرازات العنصرية: كان التعصب العنصري وراء كثير من الحروب والمآسي التي حدثت على الساحة البشرية خلال جميع عصور التاريخ، واليهود يحتلون دون شك مكان الصدارة بين العنصريين المتعصبين على مر التاريخ.
لقد دفعتهم عنصريتهم لأن يحتكروا حتى تعاليم موسى، ويزيلوا عنصر الدعوة من دينهم، كي لا يعتنق تعاليمهم أحد غيرهم.
التعصب العنصري شعبة من الشرك، ولذلك حاربه الإسلام بشدة، مؤكداً أنّ كل أبناء البشر من أب واحد وام واحدة، ولا تمايز إلّابالتقوى والعمل الصالح.