مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٨٢ - ٤ سورة النساء
وفتح عينيه على الدنيا حين ولد من بطن مريم عليها السلام كما يولد أفراد البشر من بطون امهاتهم ومرّ بفترة الرضاعة وتربى في حجر امّه، ممّا يثبت بأنّه امتلك كل صفات البشر فكيف يمكن- وحالة المسيح عليه السلام هذه- أن يكون إلهاً أزلياً أبدياً، وهو في وجوده محكوم بالظواهر والقوانين المادية الطبيعية ويتأثر بالتحولات الجارية في عالم الوجود؟! ٢- تؤكد الآية الكريمة أنّ المسيح عليه السلام هو رسول اللَّه ومبعوث إلى البشر من قبله سبحانه وتعالى وإنّ هذه المنزلة- أي منزلة النبوة- لا تتناسب ومقام الألوهية.
٣- تبيّن الآية أنّ عيسى المسيح عليه السلام هو كلمة اللَّه التي ألقاها إلى مريم عليها السلام حيث تقول:
«وَكَلِمَتُهُ أَلْقهَا إِلَى مَرْيَمَ».
٤- تشير الآية إلى أنّ عيسى المسيح عليه السلام هو روح مخلوقة من قبل اللَّه، حيث تقول:
«وَرُوحٌ مِّنْهُ». وهذه العبارة التي وردت في شأن خلق آدم- أو بعبارة اخرى خلق البشر أجمعين- في القرآن الكريم، إنّما تدل على عظمة تلك الروح التي خلقها اللَّه تعالى وأودعها في أفراد البشر بصورة عامة، وفي المسيح عليه السلام وسائر الأنبياء بصورة خاصة.
بعد ذلك تؤكد الآية على ضرورة الإيمان باللَّه الواحد الأحد وبأنبيائه، ونبذ عقيدة التثليث، مبشرة المؤمنين بأنّهم إن نبذوا هذه العقيدة فسيكون ذلك خيراً لهم حيث قالت الآية: «فَامِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ».
وتعيد الآية التأكيد على وحدانية اللَّه قائلة: «إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ وَاحِدٌ». وهي تخاطب المسيحيين لأنّهم حين يدعون التثليث يقبلون- أيضاً- بوحدانية اللَّه، فلو كان للَّهولد لوجب أن يكون شبيهه، وهذه حالة تناقض أساس الوحدانية.
فكيف- إذن- يمكن أن يكون للَّهولد، وهو منزه من نقص الحاجة إلى زوجة أو ولد، كما هو منزه من نقائص التجسيم وأعراضه. تقول الآية: «سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ». واللَّه هو مالك كل ما في السماوات وما في الأرض والموجودات كلها مخلوقاته وهو خالقها جميعاً، والمسيح عليه السلام- أيضاً- واحد من خلق اللَّه، فكيف يمكن الإدعاء بهذا الاستثناء فيه. وهل يمكن المملوك والمخلوق أن يكون ابناً للمالك والخالق، حيث تؤكد الآية: «لَّهُ مَا فِى السَّموَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ». واللَّه هو المدبر والحافظ والرازق والراعي لمخلوقاته، تقول الآية: «وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا».
والحقيقة هي أنّ اللَّه الأزلي الأبدي الذي يرعى جميع الموجودات منذ الأزل إلى الأبد لا