مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٣٨
تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَن ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ» [١]. وتأتي في آخر الآية عبارة تبين علة الجملة السابقة، حيث تبين أنّ اعتراض اليهود وانتقادهم للمسلمين الذين آمنوا باللَّه وبكتبه، ما هو إلّالأنّ أكثر اليهود من الفاسقين الذين انغمسوا في الذنوب، ولذلك فهم- لإنحرافهم وتلوّثهم بالآثام- يعيبون على كل انسان شريف اتباعه للصواب وسيره في طريق الحق حيث تؤكد الآية: «وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ».
فتخاطب الآية النّبي بأن يسأل هؤلاء: إن كانوا يريدون التعرّف على أناس لهم عند اللَّه أشد العقاب جزاء ما اقترفوه من أعمال، حيث تقول: «قُلْ هَلْ أُنَبّئُكُم بِشَرّ مِّن ذلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ» [٢].
بعد هذا تبادر الآية إلى شرح الموضوع، فتبيّن أنّ اولئك الذين شملتهم لعنة اللَّه فمسخهم قروداً وخنازير، والذين يعبدون الطاغوت والأصنام، إنّما يعيشون في هذه الدنيا وفي الآخرة وضعاً أسوأ من هذا الوضع، لأنّهم ابتعدوا كثيراً عن طريق الحق وعن جادة الصواب، تقول الآية الكريمة: «مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاءَ السَّبِيلِ» [٣].
٥/ ٦٣- ٦١ وَ إِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَ قَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَ هُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (٦١) وَ تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَ الْعُدْوَانِ وَ أَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢) لَوْ لَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَ الْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَ أَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)
[١] «تنقمون»: مشتقة من المصدر «نقمة» وتعني في الأصل إنكار شيء معيّن نطقاً أو فعلًا كما تأتي بمعنى إيقاع العقاب أو الجزاء.
[٢] إنّ كلمة «مثوبة» وكذلك كلمة «ثواب»: تعنيان- في الأصل- الرجوع أو العودة إلى الحالة الاولى، كما تطلقان- أيضاً- لتعنيا المصير والجزاء (الأجر أو العقاب) لكنّهما في الغالب تستخدمان في مجال الجزاء الحسن، وأحياناً تستخدم كلمة «الثواب» بمعنى العقاب وفي الآية جاءت بمعنى المصير أو العقاب.
[٣] «سواء»: تعني في اللغة (المساواة والإعتدال والتساوي) وأنّ وجه تسمية الصراط المستقيم في الآية ب «سواء السبيل» لأنّ جميع أجزاء هذا الطريق مستوية ولأنّ طرفيه متساويان وممهّدان، كما تطلق هذه التسمية على كل طريقة تتسم بالإعتدال وتخلو من الانحراف.