مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤٠ - ٢ سورة البقرة
يلفت النظر أنّ الآية الكريمة عبرت عن المال بكلمة «خير» فقالت: «إِن تَرَكَ خَيْرًا».
وهذا يعني أنّ الإسلام يعتبر الثروة المستحصلة عن طريق مشروع، والمستخدمة على طريق تحقيق منافع المجتمع ومصالحه خيراً وبركة.
هذا التعبير يشير ضمنياً إلى مشروعية الثروة، لأنّ الأموال غير المشروعة ليست خيراً بل شرّاً وبالًا.
تقييد الوصية «بِالْمَعْرُوفِ» إشارة إلى أنّ الوصية ينبغي أن تكون موافقة للعقل من كل جهة، لأنّ «المعروف» هو المعروف بالحُسْنِ لدى العقل. يجب أن تكون الوصية متعقلة في مقدارها وفي نسبة توزيعها، دون أن يكون فيها تمييز، ودون أن تؤدّي إلى نزاع وإنحراف عن اصول الحق والعدالة.
حين تكون الوصية جامعة للخصائص المذكورة فهي محترمة ومقدسة، وكل تبديل وتغيير فيها محظور وحرام. لذلك تقول الآية التالية: «فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدّلُونَهُ».
ولا يظنن المحرفون المتلاعبون أنّ اللَّه غافل عما يفعلون، كلّا «إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ».
ولعل هذه الآية تشير إلى أن تلاعب «الوصي» (وهو المسؤول عن تنفيذ الوصية) لا يصادر أجر الموصي. فالموصي ينال أجره، والإثم على الوصي المحرّف في كمية الوصية أو كيفيتها أو في أصلها.
بيّن القرآن فيما سبق الأحكام العامة للوصية، وأكد على حرمة كل تبديل فيها، ولكن في كل قانون استثناء، و
الآية الثالثة
من آيات بحثنا هذا تبين هذا الاستثناء وتقول: «فَمَنْ خَافَ مِنْ مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ».
الإستثناء يرتبط بالوصية المدونة بشكل غير صحيح، وهنا يحق للوصي أن ينبه الموصي على خطئه إن كان حياً، وأن يعدّل الوصية إن كان ميتاً.
عبرت الآية «بالجنف» عن الانحرافات التي تصيب الموصي في وصيته عن سهو، و «بالإثم» عن الانحرفات العمدية.
عبارة «إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ» تشير إلى ما قد يقع فيه الوصي من خطأ غير عمدي