مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٠٩ - ٤ سورة النساء
وينقضوا العهد الذي كان بينهم، وبين رسول اللَّه، فنزل كعب على أبي سفيان، فأحسن مثواه، ونزلت اليهود في دور قريش، فقال أهل مكة: إنّكم أهل كتاب ومحمّد صاحب كتاب، فلا نأمن أن يكون هذا مكراً منكم، فإن أردت أن نخرج معك فاسجد لهذين الصنمين وآمن بهما. ففعل. فذلك قوله «يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ»، ثم قال كعب: يا أهل مكة! ليجيء منكم ثلاثون ومنّا ثلاثون فنلصق أكبادنا بالكعبة، فنعاهد ربّ البيت لنجهدنّ على قتال محمّد! ففعلوا ذلك. فلمّا فرغوا قال أبو سفيان لكعب: إنّك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم، ونحن اميّون لا نعلم، فأينا أهدى طريقاً وأقرب إلى الحق، نحن أم محمّد؟
قال كعب: اعرضوا عليّ دينكم، فقال أبو سفيان: نحن ننحر للحجيج الكوماء [١] ونسقيهم الماء، ونقري الضيف، ونفكّ العاني [٢]، ونصل الرحم، ونعمر بيت ربّنا، ونطوف به، ونحن أهل الحرم، ومحمّد فارق دين آبائه، وقاطع الرحم، وفارق الحرم، وديننا القديم، ودين محمّد الحديث. فقال كعب: أنتم واللَّه أهدى سبيلًا مما عليه محمّد. فأنزل اللَّه تعالى الآيات.
التّفسير
إنّ الآية الاولى من الآيتين الحاضرتين تعكس صفة اخرى من صفات اليهود الذميمة، وهي أنّهم لأجل الوصول إلى أهدافهم كانوا يداهنون كل جماعة من الجماعات، حتى أنّهم لكي يستقطبوا المشركين سجدوا لأصنامهم، ولهذا يقول سبحانه في هذه الآية مستغرباً:
«أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُتُوا نَصِيبًا مّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ» وهي الأصنام؟
ولكنهم لا يقتنعون بهذا، ولا يقفون عند هذا الحدّ، بل: «وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُوا سَبِيلًا».
ثم إنّه سبحانه بيّن- في
الآية الثانية
- مصير أمثال هؤلاء المداهنين قائلًا: «أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا».
إنّ اليهود- كما تقول هذه الآية- لم يحصلوا من مداهنتهم الفاضحة على نتيجة، بل انهزموا في النهاية، وتحققت نبوءة القرآن الكريم في شأنهم.
إنّ الآيات الحاضرة وإن كانت قد نزلت في شأن جماعة خاصة، ولكنها لا تختص بهم حتماً، بل تشمل كل الأشخاص المداهنين المصلحيين (الانتهازيين) الذين يضحّون
[١] الكوماء: الناقة العظيمة السنام.
[٢] العاني: الأسير.