مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٠٨ - ٤ سورة النساء
يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم» [١]. وفي هذه إشارة إلى إحدى الصفات الذميمة التي قد يبتلى بها كثير من الأفراد والشعوب، إنّها صفة مدح الذات وتزكية النفس، وإدعاء الفضيلة لها. ثم يقول سبحانه: «بَلِ اللَّهُ يُزَكّى مَن يَشَاءُ». فهو وحده الذي يمدح الأشخاص ويزكيهم طبقاً لما يتوفر عندهم من مؤهلات وخصال حسنة دون زيادة أو نقصان، وعلى أساس من الحكمة والمشيئة البالغة، وليس اعتباطاً أو عبثاً. ولذلك فهو لا يظلم أحداً مقدار فتيل: «وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا» [٢].
وفي الحقيقة أنّ الفضيلة هي ما يعتبرها اللَّه سبحانه فضيلة لا ما يدعيه الإشخاص لأنفسهم انطلاقاً من أنانيتهم، فيظلمون بذلك أنفسهم وغيرهم.
في
الآية اللاحقة
التفوق العنصري، ويعتبره نوعاً من الكذب على اللَّه والإفتراء عليه سبحانه، ومعصية كبرى وذنباً بيّناً إذ يقول سبحانه: «انظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُّبِينًا». أي أنظر كيف أنّ هذه الجماعة بافتعالها لهذه الفضائل وإدعائها لنفسها من ناحية، ونسبتها إلى اللَّه من ناحية اخرى، تكذب على اللَّه، ولو لم يكن لهذه الجماعة أي ذنب إلّاهذا لكفى في عقوبتهم.
٤/ ٥٢- ٥١ أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَ الطَّاغُوتِ وَ يَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَ مَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً (٥٢)
سبب النّزول
في تفسير مجمع البيان: قيل، وهو قول أكثر المفسرين: إنّ كعب بن الأشرف خرج مع سبعين راكباً من اليهود إلى مكة، بعد وقعة احد، ليخالفوا قريشاً على رسول اللَّه صلى الله عليه و آله
[١] «يزكّون»: من مادة «تزكية» بمعنى تطهير، وتأتي أحياناً بمعنى التربية والتنمية، ففي الحقيقة إذا كانتالتزكية مقترنة بالعمل فإنّها تعتبر امراً محموداً، وإلّا لو كانت مجرّد إدّعاء وكلام فارغ فهي مذمومة.
[٢] «الفتيل»: في اللغة بمعنى الخيط الدقيق الموجود بين شقي نواة التمر، ويأتي كناية عن الأشياء الصغيرة والدقيقة جداً، وأصله من مادة «فتل» بمعنى البرم.