مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٤ - ٢ سورة البقرة
«ظلمات» في التعبير القرآني.
هذا التشبيه يوضّح واحدة من حقائق النفاق، وهي أنّ عمر النفاق والتذبذب لا يدوم طويلًا، قد يستطيع المنافقون لمدّة قصيرة أن يتمتعوا بمصونية الإسلام والإيمان، وبصداقة الكفار سرّاً، لكن هذه الحالة مثل شعلة ضعيفة معرضة لألوان العواصف، سرعان ما تنطفى، ويظهر الوجه الحقيقي للمنافقين. ٢- في المثال الثاني صوّر القرآن حياة المنافقين بشكل ليلة ظلماء مخوفة خطرة، يهطل فيها مطر غزير، وينطلق من كل ناحية منها نور يكاد يخطف الأبصار، ويملأ الجوّ صوت مهيب مرعب يكاد يمزّق الآذان، وفي هذا المناخ القلق ضلّ مسافرٌ طريقه، وبقي في بلقع فسيح لا ملجأ فيه ولا ملاذ، لا يستطيع أن يحتمي من المطر الغزير، ولا من الرعد والبرق، ولا يهتدي إلى طريق لشدّة الظلام. هذه الصورة يرسمها القرآن على النحو التالي: «أوْ كَصَيّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أصَابِعَهُمْ فِى ءَاذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ* يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا».
هؤلاء يحسّون كل لحظة بخطر، لأنّهم يطؤون صحراء لا جبال فيها ولا أشجار تحميهم من خطر الرعد والبرق والصواعق.
نعم، هؤلاء حيارى مضطربون، لا يجدون طريقاً يسلكونه، ولا دليلًا يهتدون به، خطر صوت الرعد يهدّد أسماعهم، ونور البرق يكاد يذهب بأبصارهم «وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلّ شَىْءٍ قَدِيرٌ».
هذه الآيات- وإن كانت تتحدث عن المنافقين في عصر نزول الوحي- تمتد لتشمل كل المنافقين في التاريخ، لأنّ خطّ النفاق يقف دوماً بوجه الخط الثوري الصادق الصحيح، ونحن نرى بأعيننا اليوم مدى انطباق ما يقوله القرآن على منافقي عصرنا بدقّة. نرى حيرتهم وخوفهم واضطرابهم، ونرى تعاستهم وبؤسهم وانفضاحهم تماماً مثل تلك المجموعة المسافرة الهائمة في صحراء مقفرة وفي ليلة ظلماء موحشة.
أمّا بشأن الفرق بين المثالين: إنّ قوله تعالى: «مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِى ...» يصور حالة المنافقين الذين انخرطوا في صفوف المؤمنين عن اعتقاد حقيقي، ثم تزعزعوا واتّجهوا نحو النفاق. أمّا قوله: «كَصَيّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ ...» فيمثل حالة المنافقين الذين كانوا منذ البداية في صف النفاق، ولم يؤمنوا باللَّه قط.