مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٢٣ - ٤ سورة النساء
الإستعانة بالعواطف والمشاعر الإنسانية: كانت الآية السابقة تطالب المؤمنين بالجهاد معتمدة على إيمانهم باللَّه واليوم الآخر، وقد اعتمدت أيضاً قضية الربح والخسارة في سياق دعوتها إلى الجهاد، أمّا هذه الآية فتستند في دعوتها الجهادية إلى العواطف والمشاعر الإنسانية وتستثيرها في هذا الإتجاه- فهي تخاطب مشاعر المؤمنين وعواطفهم بعرض ما يتحمله الرجال والنساء والأطفال المضطهدون من عذاب وظلم بين مخالب الطغاة الجبارين، وتطالب المؤمنين- مستثيرة عواطفهم في هذا الإتجاه- عن طريق عرض المشاهد المأساوية التي يعاني منها المستضعفون وتدعوهم إلى الجهاد في سبيل اللَّه من أجل إنقاذ هؤلاء المظلومين فتقول الآية: «وَمَا لَكُمْ لَاتُقَاتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرّجَالِ وَالنّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ» [١].
ولأجل إثارة المشاعر أكثر، تنبّه الآية المؤمنين بأنّ المستضعفين المذكورين لكثرة معاناتهم من البطش والارهاب والاضطهاد قد انقطع أملهم في النجاة ويئسوا من كل عون خارجي، فأخذوا يدعون اللَّه لإخراجهم من ذلك المحيط الرهيب المشحون بأنواع البطش والرعب والظلم الفاحش: «الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا».
ويطلب المستضعفون من اللَّه- أيضاً- أن يرسل لهم من يتولى الدفاع عنهم وينجيهم من الظالمين بقولهم: «وَاجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا».
الآية تشير إلى أنّ اللَّه قد استجاب دعاء المستضعفين، فهذه الرسالة الإنسانية الكبرى قد أوكلت إليكم أنتم أيّها المسلمون المخاطبون.
٤/ ٧٦ الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ الَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً (٧٦) لقد أوضحت الآيات السابقة قضية الجهاد، وأبرزت عناصره والمخاطبين به ودوافعه، وفي هذه الآية نلاحظ أنّها تحث المجاهدين على القتال، وتبيّن أهدافهم، مؤكّدة أنّهم يقاتلون في سبيل اللَّه ولمصلحة عباد اللَّه، وأنّ الكافرين يقاتلون في سبيل الطاغوت المتجبر: «الَّذِينَ
[١] إنّ الفرق بين المستضعف والضعيف واضح وجلي، فالضعيف هو من كان معدوم القدرة والقوّة، والمستضعف هو من أصابه الضعف بسبب ظلم وجور الآخرين، سواء كان الاستضعاف فكرياً أم ثقافياً أم كان أخلاقياً أو اقتصادياً أم سياسياً أم اجتماعياً، فالعبارة هنا جامعة شاملة تستوعب جميع أنواع الاستضعاف.